النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | كتاب صدى الصحراء | المغرب وتدبير الشأن القبلي بالصحراء: دراسة في المدخلات والمخرجات

المغرب وتدبير الشأن القبلي بالصحراء: دراسة في المدخلات والمخرجات

المغرب  وتدبير الشأن القبلي بالصحراء: دراسة في المدخلات والمخرجات

 تعددت البحوث والكتابات بما فيها الكولونيالية التي تناولت الظاهرة الاجتماعية بالصحراء، فالمجتمع الصحراوي قبلي بامتياز يعيش على تعددية اثنية تتعايش منذ قرون، في إطار نمط من البداوة والترحال وتحت نظام عرفي اتفاقي تغيب فيه سلطة المركز.  

إن ظاهرة الاستقرار المجالي بالصحراء أو حتى الحضري فيما بعد، ارتبطت ارتباطا وثيقا بالظاهرة الاستعمارية التي قيدت حرية تنقل وترحال البدو، فالمطر بوصلة أهل الصحراء، لكن فجأة ظهرت الحدود السياسية والوثائق الثبوتية والمشاريع الاستغلالية في تعارض مع الحدود السكانية لأهل المنطقة.

عدم التطابق هذا بين الحدود السكانية والسياسية على مستوى الصحراء، يفسر كيفية تفاعل المشروع الاستعماري الفرنسي الإسباني للمنطقة مع البنية الاجتماعية المحلية ولعوامل القوة والوهن بين ثناياها، وبالتالي اللعب على تناقضاتها وإحيائها بغية التفكيك والاستحواذ.

 إن تفكيك البنى الاجتماعية وتعريتها مسؤولية فكرية وأخلاقية قبل أن تكون ضرورة مرحلية في خضم هذا الواقع السوسيو ثقافي للمنطقة المتسم بعصبوية الانتماء وانقسامية أفقية متعددة لبنى المجتمع الصحراوي، علاوة على الخصوصية القانونية والسياسية لها، اتسم التدبير السياسي المغربي للشأن القبلي بالمنطقة بنوع من البراغماتية والرهان على ثمة الاستقرار والولاء ولو على حساب الديمقراطية والتحديث السياسي للمجتمع ومؤسساته.

هذا الافتراض يدفعنا إلى محاولة الإحاطة ببعض الخصائص العامة المرتبطة بالمجتمع الصحراوي، نستنتج من تفاصيلها مدخلات القبيلة بالصحراء في تفاعلها مع المركز، ومخرجات هذا الأخير على ضوء تدبيره للشأن القبلي بالصحراء.

 أولا: بعض الخصائص العامة للمجتمع الصحراوي:

- إن الصراع والاستقطاب القبلي الحاد يخفي تفاوتا طبقيا مزمنا، داخل البنية القبلية الواحدة، ليتم تشويه الصراع من صراع أفكار وقيم، صراع بين من يملك ومن لايملك، إلى صراع أعراق وسلالات وأساطير مؤسسة لأشكال اجتماعية انصهرت في بوثقة السياسة والدين وفجوات التاريخ، فعوض أن يكون الصراع رأسيا يصبح أفقيا بين بنى المجتمع التقليدية.

- لقد تحول الحزب والمجتمع المدني في معظمه بالصحراء، إلى مخلوق مشوه، فانتقلت القبيلة بأسوأ مافيها إلى أجهزة وخطاب المؤسسات الحزبية.

فرمز الحزب الانتخابي وإسمه يختزل في الشخص الواحد وعشيرته، مما يؤثر على العملية السياسية برمتها، فالنخب المفرزة تقليدية في جوهرها حديثة في خطابها لا تمثل المجتمع في عموميته.

- قد لا يستغرب الملاحظ عندما يرى شيوخ القبائل بالصحراء، تجارا ووعاظ وتارة أخرى مناضلي أحزاب وفي نفس الوقت موظفين حكوميين، تعدد الأدوار هذا تمليه ضرورة الضبط والتحكم للمجتمع، وبالتالي خلق تمايز وصراع داخل القبيلة الواحدة وبين القبائل الأخرى، فالرهان على رضى ومودة المخزن أهم  مدخل لبلوغ الزعامة المجالية واحتكار السلطة، مما يمثل صمام أمان يحول دون اتجاه المطالب  بشكل مباشر نحو السلطة المركزية، فمعادلة الريع مقابل الولاء تجعل من مؤسسة الشيخ أو (المنتخب) تثابر في احتواء أي احتجاج قبلي حفاظا على رمزيتها ومصالحها أمام أفراد المكون القبلي وكذا السلطة المركزية.

- شخصنة المؤسسات التقليدية، إذ نقف أمام معادلة القبيلة الشخص أو الفخذ الشخص، لدرجة نسج تصورات خارقة ومبالغ فيها لهذه الزعامات، مما يخدم شرعيتها واستمرارية وجودها.

- إن فلسفة القبلية السياسية، تقوم على أساس تمجيد الذات وتبخيس الآخر، في تطابق مع النظريات العرقية العنصرية التي شهدها التاريخ (النازية، الفاشية ...)، فالقبيلة ليست جزء من المجتمع المدني، فهي مؤسسة إرثية الانخراط فيها محدود ومقتصر على رابطة الدم واستثناءا الاستظلال بحمايتها.

- المجتمع الصحراوي قدري وغيبي إلى حد كبير في ميوله الإيماني، كامتداد طبيعي للمجتمع العربي الذي يعيش قطاع مهم منه على قدرية الأحداث، في تحجيم لمفهوم العقل والرضوخ لإستيلاب الإتكالية والعاطفة، فالنجاحات تحسب لفعل المجتمع، بينما الفشل هو إما عقاب رباني أو مشيئة قادر دون الغوص في مدى علمية وعقلانية المسببات.

- لازال منطق الغنيمة يحكم علاقة القبيلة بالدولة في الصحراء، لذا فأصوات عدم الرضا والتنديد بالإقصاء والتهميش ترتفع عاليا إبان أي مخرجات للنظام في تفاعله مع قضايا المنطقة سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا (التعيين في مناصب المسؤولية بالإدارة الترابية ومنح الأوسمة الملكية على رموز المنطقة نموذجا).

إن الإشكالية في المجتمعات في البلدان العربية متعلقة بالعدالة التوزيعية، وباعتبار التشكيلة الاجتماعية المتكوّنة من العشائر والقبائل والطوائف، يلجأ المواطنون إلى الانتماءات الفرعية للحصول على مخرجات النظام السياسي عن طريق هذه البنى غير الرسمية1.

بالرغم من ذلك فإن البنى التقليدية ليست كلها شرا مطلقا، فمادامت قدرا مقدرا، كيف إذا يمكن توظيف واستغلال أفضل مافيها من قيم التضامن والتكافل الاجتماعي بين الأنوية المشكلة للبناء القبلي في تفرعاته وبطونه، وكذا في علاقته بمحيطه الاجتماعي والسياسي؟ وهو ما يطلق عليه في أدبيات علم السياسة بالتنمية السياسية أو التحديث السياسي.

 ثانيا: المخرجات بالصحراء:

وسائل ضغط القبيلة في تفاعلها مع قرارات المركز:

أ- الاجتماعات واللقاءات الشعبية:

دأبت القبائل بالصحراء على عقد اجتماعاتها الداخلية سواء لتدبير مشاكلها الذاتية أو في علاقتها مع المحيط، لكن مايهمنا في هذه الدراسة معرفة كيف تتشكل المواقف والرؤى أمام سياسات المركز اتجاه المنطقة.

هنا وجب التمييز بين مستويين من المواقف، الأول يهم الأعيان والرموز المشكلة من الشيوخ وكبار المقاولين والمنتخبين، الذين تتقاطع مصالحهم إلى حد كبير مع المخزن، بينما المستوى الثاني يهم فئة الشباب التي تعد أكثر تمردا واندفاعا في التعبير عن المواقف الراديكالية.

أمام هذا الوضع غالبا ما ترجح كفة المستوى الأول من المواقف، لاعتبارات تتعلق أساسا بالعادات والتقاليد الشعبية التي تحترم الأكبر سنا وتجربة، وتدين أي انتقاد حاد أو خصومة في هذا الإطار، إضافة إلى أسلوب الإكراميات وتوزيع فتات الريع لامتصاص

 الغضب، دون تجاهل محدودية الوعي الثقافي لهذه الفئة، الذي قد يؤهلها لوعي أعمق بإختلالات المجتمع وبالتالي التحرر من وصاية مؤسسة القبيلة.

ب- المواسم الدينية وزيارات الأضرحة:

انتشرت في السنوات الأخيرة الاحتفالات بالمواسم الدينية، وتعددت الأضرحة والقبور التي حظيت بزيارات غفيرة لجمهور من (الأحفاد والمريدين)، بمباركة من السلطة وتشجيع منها، كنوع من الاحتواء للتدين الشعبي وتوجيهه نحو تعزيز الشرعنة، بينما لسان حال القبائل وكأنها تقول نحن هنا موجودون، وحجمنا كذا.

فلطالما اضطلعت الزوايا بالشمال الإفريقي تاريخيا بأدوار دينية، سياسية، اجتماعية واقتصادية متعددة، تتقاطع في الكثير من أهدافها مع مفهوم الحزب السياسي.

ج- البلاغات والملتمسات:

إذا أخذنا بعين الاعتبار التفاوت المطلق في القدرات الذاتية والموضوعية بين الدولة كجهاز اجتماعي منظم يحتكر وسائل الإكراه المادية والمعنوية، ومؤسسة القبيلة كبنية عاطفية الرابطة لحظية رد الفعل ومخترقة أخلاقيا، فان تفاعل القبيلة مع المستجد العادي أو الطارئ يتسم استباقا بمرونة وحذر شديدين.

لذالك، تسارع هذه الأخيرة إلى إصدار بيانات حقيقة أو احتجاج تبرر مطالب القبيلة كتكتيك دبلوماسي، في أفق إستراتيجية تروم تحقيق مطالب القبيلة أو تعديل خيارات الدولة بخصوص قراراتها.

ويمكن أن تلجأ أيضا لصياغة ملتمسات مثقلة بعبارات الولاء والاستعطاف إلى المركز، في إشارة إلى ثنائية الطاعة مقابل الاستجابة.

د- التظاهر والعصيان المدني:

قد تصل العلاقة بين القبيلة والدولة إلى هذا المستوى من الاحتجاج المادي والعنيف أحيانا، عندما تتراكم المطالب الاجتماعية أو تنتزع مكاسب أو حقوق عينية مرتبطة بالأرض من القبيلة.

لكن المثير للانتباه هنا، أنه ناذرا ما تلتئم نفس وجهات النظر بين زعامات القبيلة وقواعدها العريضة، فعندما يتعلق الأمر بالاحتجاج العنيف تستكين هذه الزعامات للخلف لأن إستمراريتها مرتبطة أساسا بالولاء للمخزن ولمصالحها المادية، فهي ليست وليدة ديمقراطية داخلية، بل امتداد لخاصيتي التعيين أوالتوريث.

_____________________

1 : يوسف زدام، الثقافة السياسية في البلدان العربية: دراسة في تأثير المحدّدات غير السياسية، ( بيروت: مجلة المستقبل العربي، العدد 429، نونبر 2014)، ص34.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك