النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | كتاب صدى الصحراء | وظيفة المجتمع المدني التنموية وتقليص التفاوتات الاجتماعية

وظيفة المجتمع المدني التنموية وتقليص التفاوتات الاجتماعية

وظيفة المجتمع المدني التنموية وتقليص التفاوتات الاجتماعية

أضحت الجمعيات اليوم واقعا فعليا بفضل الاعتراف الرسمي المتزايد بالعمل المهم الذي تقوم به في تحقيق التنمية وتعزيز مساواة المواقع والحظوظ، والذي يكشف عن ذاته من خلال الأدوار والوظائف التي بدأت الدولة توكلها لهذه التنظيمات المدنية عبر إطار تشريعي منظم للعلاقات، يلعب فيه المجتمع المدني دورا مؤثرا كقوة هامة وفعالة دافعة لتطوير وتنمية المجتمع المحلي، حيث أنها شريك كامل في عملية التنمية، مما يعني أنها أحد أشكال المشاركة الفعلية في صنع القرار أو السياسة التنموية، خاصة السياسة الرامية لحصار الفقر وتضييق نطاقه، وهو ما يمثل جوهر التنمية الترابية، التي ترتبط بشكل أساسي بإشباع حاجيات الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا.

 إن أهمية أدوار المجتمع المدني جلية ولا تفتقر لبيان أوجهها رغم الإهمال بتطوير مشاركته في إعداد القرار التنموي، فمقترحاتنا لتعزيز وظائف المجتمع المدني لتفكيك بنيات الهشاشة والتهميشتتخذ أبعادا متكاملة ونخص بالذكر، ثلاثة أدوار تتصل فيما بينها بعلاقات تبادلية: الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

فالدور الاقتصادي للمجتمع المدني، يركز على تأمين سبل المعيشة وتقديم الخدمات حيثما تكون الدولة والأسواق ضعيفة، وعلى تعزيز القيم الاجتماعية، وشبكات الاتصال المختلفة، والمؤسسات التي تدعم اقتصاديات السوق الناجحة بما في ذلك الثقة والتعاون. حيث أصبحت المؤسسات الطوعية في العالم كافة مزودا أساسيا لخدمات إنسانية ( خصوصا الصحة والرفاه الاجتماعي)، فالمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الدينية، وجماعات مدنية أخرى كانت ولا تزال مزودا مهما للخدمات، والفرق الان هو أنه ينظر إليها على أنها قناة مفضلة لتقديم الخدمة كبديل مقصود للدولة. وبصيغة أكثر راديكالية ( كالتي تلاحظ في المنتدى الاجتماعي العالمي world social form )، ينظر إلى المجتمع المدني على أنه وسيلة ل "أنسنة الرأسمالية"عن طريق تشجيع المساءلة بين مؤسسات الخدمات العامة وتبني سياسات اجتماعية تقدمية ( مثل احترام حقوق العمال ) بين الحكومات، وتجارب جديدة في " الاقتصاد الاجتماعي" الدي يجمع بين كفاية السوق والقيم التعاونية، ويبدو جليا أن هذه المنظمات تساهم في مكافحة ظاهرة الفقر سواء من خلال تقديم المساعدات المالية المباشرة أو عن طريق تقديم الخدمات للفقراء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تنمية مهارات الفقراء عن طريق التعليم والتثقيف والتأهيل، كما أنها تستطيع أن تقدم خدمات بمستوى جودة أعلى وبتكلفة أقل من الناحية الاقتصادية مما لو قامت بها الحكومة ولاسيما في الدول النامية التي تعاني حكوماتها عادة من البيروقراطية وارتفاع التكاليف في تنفيذ المشاريع، كما تعد كثير من أعمال الخير التي تأدي إلى تقديم إعانات مباشرة أو غير مباشرة للفقراء كالزكاة والصدقات (أضحية العيد مثلا..) بمنزلة عملية لإعادة توزيع الدخل أو عملية لإعادة توزيع الثروة بين فئات المجتمع ويخفف الفجوة بين الطبقات ويحول جزء من الأموال من الفئات الأكثر ادخارا إلى الفئات الأكثر استهلاكا وهذا يدعم النمو الاقتصادي من خلال مضاعفة الاستهلاك وبالتالي تحقيق الرفاه الاجتماعي.

وفي دورها الاجتماعي، ينظر إلى المجتمعات المدنية على أنها مخزون للرعاية، وللحياة الثقافية والابداع الفكري، لتعليم الناس مهارات المواطنة – على الأقل بالنسبة إلى الذين ينتمون إلى مدرسة توكفيل الفكرية الجديدة – ورعاية مجموعة من الأعراف الاجتماعية الإيجابية التي تندرج بشكل غير دقيق تحت عنوان " رأس المال الاجتماعي/social capital" ومن ثم ينظر إلى رأس المال الاجتماعي على أنه، بدوره عنصر حاسم في تشجيع العمل الجمعي للصالح العام، أو مجرد بناء وصون للعلاقات الاجتماعية التي تكون أساسية إذا كان على الافراد تأدية أعمالهم بشكل فعال في مجال الاقتصادات الحديثة، حيث تزداد الطلبات على التبادل تعقيدا. إن التأثيرات المعيارية للمؤسسات الطوعية قضية أخلاقية بقدر ما هي قضية اجتماعية. وذلك متوقع في بعض النواحي، فيولون المجتمع المدني اهتماما أكبر بوصفه وسيلة لابتكار حلول جديدة. ويمكن هنا تفسير التهميش النسبي لنظريات المجال العام المحافظ، حيث أن الاستقرار الاجتماعي وسيادة القانون يسهم في وجود منظمات غير حكومية متنوعة الأمر الذي يعد من خصائص المجتمعات المستقرة التي يسود فيها الاحترام والسلام وتقدير الأخر.

وتبدو أهمية الدور الاجتماعي في تقليص التفاوتات الاجتماعية، من خلال تنفيذ برامج متكاملة في مجالات الرعاية والتنمية الاجتماعية، مثل برامج التعليم والتدريب، محو الأمية وبرامج مساعدة المرضى وتقديم قروض ومنح للراغبين بالزواج ومساعدة السجناء وذوي الاحتياجات الخاصة وإقامة المراكز الاجتماعية للأطفال والمسنين..

بالنسبة إلى الدور السياسي،ينظر إلى الروابط المدنية بوصفها الثقل الموازن الحاسم لمجابهة الدولة والسلطة المؤسسية، وعلى أنها أيضا، دعامة جوهرية لتشجيع الشفافية، والمساءلة ومظاهر أخرى ل " الحوكمة الرشيدة "، وهو التعبير المفضل لدى مانحي المعونات الخارجية في العصر الحديث. وحيثما تكون حقوق المواطنة الرسمية غير راسخة تماما بصورة خاصة، فإن المجتمع المدني هو الذي يوفر القنوات اللازمة التي يستطيع معظم الناس من خلالها إسماع صوتهم لصناعة القرار في الحكومة، وحماية حقوقهم المدنية والسياسية، والعمل على تنمية مهاراتهم كقادة سياسيين مستقبلا. وإذا ارتكز المجتمع الديمقراطي على منطلقات النظرية الديمقراطية، أقول إن مجتمعا مدنيا قويا يستطيع أن يحول دون تكتل السلطة الذي يهدد استقلالية الفرد وحق الاختيار، وفي مقدوره أيضا تقديم اليات فاعلة لمراقبة إساءة استخدام السلطة في الدولة، كما أنه يحمي المجال العام الديمقراطي والذي من خلاله يستطيع المواطنون مناقشة غايات ووسائل الحوكمة. وقد وثق بصورة جيدة دور المؤسسات غير الحكومية والحركات الاجتماعية في تعبئة المعارضة ضد الحكم التسلطي، ودعم التقدم نحو انتخابات تشارك فيها أحزاب متعددة، وعلى مدار السنوات السبع الماضية، امتدت هذه الوظائف لتصل مستوى عالميا، وأصبحت المؤسسات غير الحكومية ذات أثر متزايد في تحدي سياسات المؤسسات المالية الدولية وإقامة معايير مساءلة جديدة. فالمجتمع المدني بهذا المعنى هو شرط أساسي ولازم لتحقيق نظام سياسي ديمقراطي باعتبار هذه المنظمات أحد أشكال رأس المال الاجتماعي الذي يمكن به مقاومة المركزية وإساءة استعمال السلطة الحكومية عن طريق تشكيل جماعات ضغطللتفاوض والترافع.

* باحث متخصص في المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك