النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | كتاب صدى الصحراء | الديمقراطية التشاركية والتنمية الترابية

الديمقراطية التشاركية والتنمية الترابية

الديمقراطية التشاركية والتنمية الترابية

يلاحظ بنظرة أكثر إيجابية أن السنوات الخمس الماضية قد شهدت اهتماما متناميا بما يسمى " الفعالية المدنية " وأشكال جديدة من التنظيم المدني، غير أنه عندما يصبح المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية شعارا فإن ذلك ينذر بخطر يحدق بالوضوح المفاهيمي، والصرامة التحليلية، والأصالة التجريبية، والملاءمة السياسية والإمكانات التحررية أيضا. ولكن من غير المحتمل أن تحل هذه المشكلة عن طريق الازدراء الانتقائي، والوعظ الأكاديمي والمحاولات المبذولة لتحقيق تشاور مجتمعي، إلا من خلال تجربة تشاركية للحياة الاجتماعية والسياسية التي تعزز المداولات العامة في شأن قضايا الساعة المهمة عن طريق بنى تواصلية في المجال العام، وإقامة معايير جديدة للمساءلة وإحداث وسائل بديلة للمشاركة.

إن اختيار التنمية الترابية للاشتغال عليها من خلال المقاربة التشاركية ليس خرقا وتحديا للعادة التي جرى عليها أكثر الفاعلين في هذا الشأن وإنما في اعتقادي أن الذي ييسر لنا الدخول إلى جوهر هذا الموضوع، ويساعد على حوار وتواصل جدي نظريا وتطبيقيا، بين الفئات المعنية بالعملية التنموية داخل المجال الترابي يتمثل في مفتاح رئيسي: هو تنزيل وتجريب هذه الديمقراطية التشاركية.

كما أن هذا المفتاح ليس سحرا كما لا يشكل حلا بذاته، ولكنه الأداة الشرط الذي يجعلنا نواجه المشاكل الحقيقية مواجهة مباشرة، ويجعلنا نراها أكثر، ومن ثم فهمها والتعامل معها، تمهيدا للوصول إلى حلول لها عبر تواصل تشاركي لا يعرف الإقصاء.

إن الأداة-الشرط وسيلتنا للدخول إلى عالم شديد التعقيد والتشابك، وبدون هذه الأداة – الشرط - سنبقى ندور حول المشاكل، نتوهمها، نؤجلها، نحتال عليها، نراها من بعد، وأيضا نغرق في سلسلة من التجارب والأوهام والمقاربات التي نفرضها على أنفسنا، أو يفرضها علينا الآخرون.

إذن الديمقراطية التشاركية – الأداة الشرط - هي الأساس ليس فقط لفهم المشاكل وإنما للتعامل معها. وهي أي الديمقراطية التشاركية، بمقدار حضورها كممارسة يومية وكقواعد واليات، تضعنا في مواجهة مباشرة مع المسؤولية وتضعنا مجتمعين للبحث عن حلول والمشاركة في تطبيقها وتحمل نتائجها وكذا تتبعها وتقييمها، كما أنها تترك الباب مفتوحا لمواصلة الاجتهاد والتشاور والمراقبة والمراجعة والتطور، بحثا عن صيغ أفضل من خلال الارتقاء بالحلول التي تم التوصل إليها في وقت سابق. وهكذا تصبح الديمقراطية التشاركية شرط التطور ووسيلته في ان واحد، وتصبح الأداة الامينة والمجربة للانتقال من وضع إلى وضع أرقى، والطريقة لتجنيب المجتمع الهزات أو الانقطاع، وأيضا الصيغة التي تفسح المجال أمام مشاركة القوى المدنية الحية والفاعلة في تحمل المسؤولية.

هذا الفهم للديمقراطية التشاركية يجعلها الشرط الذي لا غنى عنه كبداية للتغير الاجتماعي والتعامل الجدي مع قضايا التنمية الترابية، ويجعلها الوسط أو المناخ الحقيقي للتفاعل وتبادل الخبرات والمشاركة المدنية العاقلة، وبالتالي القاسم المشترك مع جميع القضايا، الصغيرة والكبيرة.

صحيح أنها ليست حلا، ولكنها المفتاح لكل الحلول، ولدلك فإنها ضرورة دون أن تذكر. وأساسية دون أن تسمى، وعلى ضوء وجودها، أو عدم وجودها، تتحدد أمور كثيرة، وتكتسب صحتها وجدارتها، أو العكس وبالتالي قدرة المجتمع أو النظام على الدوام والاستمرار والتطور أو سرعة تأكله ومن تم انهياره.

فالديمقراطية التشاركية، مثلا كصيغة في التنمية، بمقدار أهميتها وضرورتها خاصة في بلدان العالم الثالث، وضمنها بلداننا لا تقوى على البقاء والرسوخ، وإن تكون خيارنا الأساسي لتجاوز التخلف، إلى بمقدار اقتناع الناس بها وتنزيلها وتجريبها، وهذا الاقتناع الذي تمليه الضرورة الموضوعية يحتاج بالإضافة إلى هذه الضرورة، إلى وعي الناس ومشاركتهم، أي اقتناعهم ورضاهم وشرط دلك المشاركة التشاركية الفعلية وليس المشاركة الإشراكية الصورية.

وقد لا نكون خاصة الآن بحاجة إلى الكثير من البراهين والأدلة لضرورة التلازم بين المشاركة والتنمية، لأن الوقائع التي تحصل كل يوم تؤكد هذه الحقيقة، وتثبت كم من الأوهام سيطرت على الكثيرين خلال الفترات السابقة وكذلك الحال بين المشاركة والديمقراطية، بين التقدم والديمقراطية، بين القوة والديمقراطية، بين التغير والديمقراطية، بين التنمية والديمقراطية.. ودون علاقة عضوية بنيوية بين هذه القضايا لن نستطيع الوصول إلى مشاركة حقيقية تم تنمية ترابية أو ما يصطلح عليه "بتتريب المشاركة" أي جعل المشاركة في التراب وتهييئ التراب للمشاركة.

لا يعني أن الديمقراطية التشاركية، خاصة بمفهومها السائد في الغرب، هي الحل السحري، خاصة بالنسبة للعالم الثالث إذ بالإضافة إلى أن الديموقراطية السائدة هناك هي ثمرة تطور طويل وتراكم تاريخي، فقد كانت في جانب أساسي منها، على حساب تعاسة شعوب العالم الثالث واستعمارها وفقرها، ولأن جزءا من ملامحها وتطورها تم خلال المرحلة الاستعمارية، ورغم هذا التطور لا تزال الديمقراطية الغربية مليئة بالنواقص والعيوب والأعطاب حيث ملايين الفقراء والعاطلين عن العمل، وحيث لايزال الرأسمال القوة التي تفرض الصيغ والقوانين، ولديه من الوسائل والامكانيات ما يجعله قادرا على إعادة " تربية" الجماهير وتشكيل الرأي وفرض الأنماط والاشكال والقناعات، ومع دلك فإن المناخ العام يتيح في نفس الوقت إمكانية التطور والانتقال وتحقيق المكاسب، الامر الذي يضطر العالم الثالث التشبث بجوهر الديمقراطية وتكييفها مع متطلباته وحاجياته.

إن الديمقراطية التشاركية بجوهرها العميق ممارسة يومية تطال جميع مناحي الحياة، وهي أسلوب للتفكير والسلوك والتعامل وليست فقط أشكالا مفرغة الروح أو مجرد مظاهر. وهي بهذا المعنى ليست شكلا قانونيا فقط، أو سوسيولوجيا وليست حالة مؤقتة، أو هي منحة من أحد وإنما هي حقوق أساسية لا غنى عنها وهي دائمة ومستمرة، وهي قواعد واليات وتقاليد تعني الجميع وتطبق على الجميع دون تمييز، وهي تعني الأقلية بمقدار ما تعني الأغلبية.

*باحث في المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

صوت وصورة