النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0

الشهوة

الشهوة


بادئة: الشهوة هي الميل والتلذذ، وهي أصل خلقي وغريزي في الإنسان، أودعها الله في النفس البشرية لتستعين بها على كمال مصالحها، وللشهوة بواعث تحث الإنسان على إفراغها بين الحين والحين بحسب الحاجة والضرورة، فيما يعود على صاحبها من تحقيق النفع والمصلحة وذلك لحفظها من جانب الوجود والعدم، ومع ذلك وضع لها ضوابط وأحكام في تفريغها، لأنها إن لم تكبح وتروض فستعود على صاحبها بالهلاك والفناء.

إن الله عزوجل لما خلق الإنسان بناه على أساسين: الجبر والخيرةـ، أما الجبر، وجوده في منطقة جغرافية معينة وانتماؤه إلى والديه، ولون بشرته وقامته وجماله وقبحه وجنسه ذكرا أم أنثى. فكل هذه الأمور جبر وسير الإنسان فيها بإرادة خالقه لا إرادته هو، ولا تعتبر من أفعال الإنسان نفسه، كما أن هناك أمورا خارجة عن إرادته وذلك كتنفسه ونومه ونبضات قلبه وجريان دمه في عروقه؛ فلو كلف بها فربما غفل عنها في لحظة تعب أو نوم، فيموت في حينه.

 أما أساس الخيرة فقد جعلها الله عزوجل في طريقه ما بين الفعل والترك، بعدما بين  له طريق الطاعة وطريق المعصية، فرتب عن الأولى الثواب، ورتب عن الثانية العقاب، ضمن إرادته الإلهية وليس خارجا عنها.

ولكي يتحقق هذا الاختيار بين الشر والخير، ركب الله عزوجل في النفس البشرية غريزة الشهوة لحكمة أرادها سبحانه ومن ثم صانها من جانب الوجود والعدم، وذلك كحال الطعام والشراب والجنس، فلو جعله اختيارا للإنسان لغفل عنه أو نام عنه؛ فيموت من فوره لعدم أكله أو شربه، وينقطع نسله إذا غفل عن الزواج، لذلك كانت هذه الشهوة الغريزية أمرا جبليا طبيعيا، تلح صاحبها بقوة إلى إشباعها بين الفينة والآخرة متى احتاجها الإنسان بدون تكلف أو جهد.

 إن هذه السنن الكونية الفطرية جاءت بالأساس من أجل الإنسان، وذلك لضمان الاستمرارية، وتحقيق مبدأ الاستخلاف في الأرض واعمارها أحسن تعمير. ولتكميل باقي السنن الكونية التي خلقها الله عزوجل ومن بينها التدافع بين قوة الخير والشر حتى قيام الساعة، ركب الشهوة في النفس البشرية ومن ثم أقرها على أنها أمر جبلي وطبيعي وهي نطفة مركبة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنفك عن النفس البشرية، قال تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾سورة آل عمران الآية 14.

ومن هنا اختلفت البشرية حول مكمن هذه الشهوة ووظيفتها بين من مجدها، وأطلق لها العنان وسايرها في كل ما تملي عليه، ومنهم من استقبحها واستقذرها وحرمها ونفر الناس منها. أما الإسلام  فجاء بالوسطية والاعتدال، حيث أقر بأنها غريزة فطرية جبلية في تركيبة الإنسان، وبين إن هي كبتت ولم تفرغ وحرمت، كان ذلك منافاة لحكمة الله تعالى في خلقها ومصادمة للفطرة البشرية، وتعطيلا للمنفعة والغاية التي خلقت من أجلها،ومخالفة لسنة الله تعالى في كونه.ومع ذلك سن لها ضوابط في تفريغها وإشباعها ومن ثم حث على ترويضها وتهذيبها بالسبل القويمة الناجعة.

لذلك كان لزاما على المرء أن يتفطن للخطرات إذا توالدت في ذهنه؛ لأنها مبدأ كل الخير والشر، ومنها تتولد العزائم فإما أن تكون منجيات أو مهلكات. فالعاقل من تفطن للخطرة وراعاها، وملك زمام نفسه وكبح كل ما يدفع هذه الغريزة إلى حرام أو أي موضع لايحل له.

وعندما يتم النظر للشهوة كبادئة تثير الإنسان، يلاحظ أنها وضعت في كل شيء من أمور الدنيا، وذلك من أجل تحقق الابتلاء والاختيار، فإما أن نطلق العنان لها لتخوض في كل ما ترغب به سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة، وإما أن يتم إعمال الصبر والجهد للوصول لتلك الشهوة بالطرق والوسائل المشروعة، وإن لزم الأمر كبحها وقهرها لعدم القدرة على إشباعها وتحقيقها صبرا واحتسابا ورجاء في ثواب الله وخوفا من عقابه.

ومن الأمثلة على ذلك شهوة الأكل، والشرب، والجنس، والمسكن، والملبس، والمركب، والعلم، والمجد، والفخر، والقوة، والسلطة، والكرم، وحسن المظهر وجماله، والأنفة، وحب النفس...وغيرها الكثير من مظاهر الدنيا التي بامتلاكها يبلغ المرء النشوة الناتجة عن الشهوة.

فاشتهاء الرجال للنساء واشتهاء النساء للرجال سواء بسواء، مثلا شهوة مركبة في النفس البشرية لميل كل واحد منهما للآخر، وذلك لإشباع رغباتهم وحاجياتهم المتبادلة. وبالتالي فهو أمر طبيعي ومجرى سني تواترت عليها البشرية تترا إلا من شذ، ومع ذلك هي شهوة تنطوي على العديد من المرغبات، والمرهبات، والآفات،والمخاطر، متى أطلق لها العنان بدون ضابط تشريعي وأخلاقي، فإنها تهلك العباد والبلاد، بحيث يؤدي ذلك إلى ضياع النسل واختلاط الأنساب وخراب الأفراد والمجتمعات، وانتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة.لذلك نهى الله عزوجل عن جميع المسببات التي تفضي إلى هذه المهلكات بقوله:﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطنسورة الأنعام الآية 152.والفواحش هي الآثام الكبيرة المشتملة على المفاسد، سواء ما ظهر منها أو خفي.

ومع كل هذه المحظورات والذرائع الشديدة فقد أباح وشرع الزواج، وجعل له بابا مستقلا من التشريعات والأحكام، وذلك كله من أجل تنظيم حياة الناس وجلب المصالح لها ودرء المفاسد عنها، و من ثم رتب عليه تشريعات وأحكاما تكليفية، فشرع الخطوبة وبين أحكامها في النظر والمخالطة، وشرع كيفية الزواج وضوابطه وشروطه وحقوقه وواجباته لكل من الزوجين، وجعل بينهما رابطا غليظا أساسه المودة والرحمة وحسن الجوار والصحبة والصبر على نقص الإنسان، وبين أن الإنسان ليس كاملا أو ناقصا من العيوب بقدر ما قد يخطئ وقد يصيب،فإن أساءك و كرهت منه خلق فقد تعجبك منهم حاسن أو أخلاق، ومع ذلك جعل لكل هذا الاختلاف مخرجا،وإن كان ابغض الحلال عند الله عزوجل الطلاق، لكنه رحمة بخلقه ولطف بهم، شرع لهم كيفية فسخ عقد النكاح قولا أو مالاً، وبين كيفيته وضوابطه ومدته بقوله:﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾سورة البقرة الآية 129 

أما الحكمة من خلق هذه الشهوة؛ فهو بقاء النسل ودوام الوجود والذي هو من الضروريات الخمس إلى جانب الدين، والنفس، العقل، والمال. وهي ضروريات حفظها الشارع من جانب الوجود والعدم، ورتب عليها أحكاما وزواجر ومرغبات ومرهبات لحفظها وصونها من الاختلال والاندثار، فإن اختل واحد منها اختلت الحياة وفنيت البشرية.

فالشهوة غريزة طبيعية جبل عليها الإنسان في تركيبته البشرية، بدافع تحقيق رغبات منها ماهو مجبور على تحقيقها وإشباعها، ومنها ماهو اختياري له بين الفعل والترك، وجعل لتلك الشهوة مواضع لتفرغ فيها، فرتب عليها تشريعات وأحكاما وقوانين تنظيمية وأحكاما فقهية، لتكون مضبوطة بأحكام ومتوافقة مع العقل والمصلحة العليا للإنسان ومنفعته، فجعل الله عزوجل العقل ليكون مطاعا في مايراه العقلاء صحيحا، وأن يكون ضابطا في تصريف الشهوات لا تابعا لتصرف الشهوات.

”فالمتدين ليس فاقدا للشهوات، والمحتشمة ليست جاهلة بالموضة، والكريم ليس كارها للمال، وحتى المتفوق ليس محبا للدراسة. لكن كلهم أقوياء في مواجهة أهواء أنفسهم   .

قيل عن الشهوة:

-  ”اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن ابتلى المخلوق من هذه المادة بالشهوة والغضب والحب والبغض ولوازمها، وابتلاه بعدوه الذي لا يألوه خبالا، ولا يغفل عنه، ثم ابتلاه مع ذلك بزينة الدنيا، وبالهوى الذي أمر بمخالفته. هذا على ضعفه وحاجته. وزين له حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وأمره بترك قضاء أوطاره وشهواته في هذه الدار الحاضرة العتيدة المشاهدة، إلى دار أخرى، غايته إنما تحصل فيها بعد طي الدنيا والذهاب بها.

وكان مقتضى الطبيعة الإنسانية ألاَّ يثبت على هذا الابتلاء أحد، وأن يذهب كلهم مع ميل الطبع ودواعي الغضب والشهوة، فلم يُخَلِ بينهم وبين ذلك خالقهم وفاطرهم، بل أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم مواقع رضاه وغضبه، ووعدهم على مخالفة هواهم وطبائعهم أكمل اللذات في دار النعيم، فلم تقوى عقول الأكثرين على إيثار الآجل المنتظر بعد زوال الدنيا، على هذا العاجل الحاضر المشاهد“شفاء العليل/ ابن قيم الجوزية/ الباب الثالث والعشرون: في استفاء شبه النافلين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها/ج: 1/265

- ”والمقصود أن تركيب الإنسان على هذا الوجه هو غاية الحكمة ولا بدأن يقتضي كل واحد من القوتين أثره فلا بد من وقوع الذنب والمخالفات والمعاصي، [و]من ترتب آثار هاتين القوتين عليهما، ولو لم يخلقا في الإنسان لم يكن إنسانا بل كان ملكا“.مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة،محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)،فصل ومنها أن الله سبحانه إذا أراد بعبده خيرا انساه رؤية طاعته/ ج:1/297،دارالكتب العلمية – بيروت.

- ”ومن دلائل عظمة القرآن و إعجازه أنه حينما ذكر الزواج، لم يذكر الحب و إنما ذكر المودة والرحمة والسكن …سكن النفوس بعضها إلى بعض وراحة النفوس بعضها إلى بعض﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾سورة الروم الآية 20. إنها الرحمة والمودة..مفتاح البيوت والرحمة تحتوي على الحب بالضرورة..والحب لا يشتمل على الرحمة، بل يكاد بالشهوة أن ينقلب عدوانا والرحمة أعمق من الحب وأصفى وأطهر. والرحمة عاطفة إنسانية راقية مركبة، ففيها الحب، وفيها التضحية، وفيها إنكار الذات، وفيها التسامح، وفيها العطف، وفيها العفو، وفيها الكرم. وكلنا قادرون على الحب بحكم الجبلة البشرية. وقليل منا هم القادرون على الرحمة.وبين ألف حبيبة هناك واحدة يمكن أن ترحم، والباقي طالبات هوى ونشوة ولذة“.مصطفى محمود/ مقال/ تواتر نقله بين الكتاب والروائيين.

وعليه إن الشهوة قوة خفية وأصل خلقي وهي من الأمور التي جبل عليها الإنسان، ولا يجب علينا أن ننظر إليها نظرة دونية أو نظرة استحياء، بل هي أمر طبيعي وفطري إن فهمنها بالفهم السليم واستعن بها على تحقيق متاعنا، فبها يحصل بقائنا وبها تتقوى أجسامنا وتتفتح مداركنا، أما فإذا استعن بهذه القوة على ما ليس هو حل لنا، وما محرم علينا كنا متعدين حدود الله وظالمين لأنفسنا. 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

صوت وصورة