النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | دين وفكر | يا ليت قومي يعلمون...

يا ليت قومي يعلمون...

يا ليت قومي يعلمون...

تناول كثير من العلماء موضوع القبيلة من حيث إيجابيتها وسلبياتها، وخاضوا في فلسفتها ومدى تأثيرها على التجمعات البشرية، ومن أبرز من تحدث عنها أيضا ابن خلدون في كتابه العبر. لذلك لا يمكن الحديث عن القبيلة بمنأى عن نظريته حول القبيلة .

يرى ابن خلدون أن القبيلة هي تلك الصلة الطبيعية التي تجمع البشرية، إلا أنه لاحظ أن من فوائدها وايجابياتها، النزعة التي تتولد منها تلك الصلة وهي "النعرة"، مما تسمح لذوي القربى بالدفاع والرد عن أهل الأرحام أن ينالهم أي ضيم أو ضير، ويدفع عنهم أية مهلكة أو مصيبة، وذلك راجع بالأساس إلى ما يجده المرء من غضاضة وظلم أو عداء يصيب رحمه أو قبيلته، مما يدفعه إلى الحيلولة بينه وبين ذلك، وفي النهاية يصل إلى أن هذه النزعة طبيعية في البشر مذ كانوا.1

ويتضح من كلام ابن خلدون:

1-  أنه كلما كان النسب قريبا كلما أشتد الدفع وعظم وهذا ما تفسره المقولة الفلسفية المشهورة " أنا وأخي وعمي ضد عدوي وأنا وأخي ضد عمي"، إلا أن الإسلام صحح هذه المعتقدات فأكد على أصل القبيلة، وبين أن منها يكون المنشأ وبها يتم التعارف ومن ثم رتب عنها النسل وحفظه كضرورة في قيام الدين . ولكي يقوم هذه النزعة، فصحح آصرة القرابة في الدين، وأكد على آصرة العقيدة، وهدم الرفعة والأفضلية المبنية على أساس العرق والأصل والجنس واللسان، وبناها على أساس التقوى فقال جل شأنه: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"

2- وخاطب سيدنا صلى الله عليه وسلم سعد بن وقاص  فقال : " هذا خالي أروني خالاً مثل خالي " فقال له عمر بن الخطاب يوما: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له"

ومن هذا المنطلق ومحاكاتنا لفقه الواقع وما يحوم حوله، أقول:

3-  إن قذف الناس وهدم أعراضها منافي لبنائه في المنظومة الإسلامية، والتي جعلت منه ضرورة من الضروريات الخمس ومن ثم حفظتها من جانب الوجود بشرع العقوبات والزواجر، وحفظتها من جانب العدم من خلال شرع الزواج وتبين أحكامه وفقه ومقاصده وغاياته.

4- إن الأفكار والآراء تقارع بالأفكار والآراء ند بند، وفق الأسس العلمية والاستدلالية، ولا علاقة لها  بأصل الشخص وعرقه و قبيلته، لذلك من العيب أن يقال كلام مبني على شواهد وأدلة ومعاينة ومشاهدة، ثم يلجئ الأخر في رده على تلك الآراء والأفكار إلى السفسطة ومن ثم يتم ربطها بأنها موجهة للمساس بقبيلة ذلك الشخص، مما ينتج عنه صراعات الغاب والأقوى لا قوة الحجة والرأي بالتي هي أحسن، فما بال أقوام أراهم اليوم يغذون و يشحذون الهمم على أساس القبيلة ؟

5- لا علاقة للشخص وأصل قبيلته وشرفه مع حسن تدبير شأن الرعية وتنمية مقوماتها والتسابق مع الركب الحضاري، فكل له مصدره وأصله وسننه ونواميسه الكونية في تحصليه،  فمتى توافقت الأسباب مع المعطى والكسب أثمرت النتائج، لذلك لا تقولي هذا شخص شريف ومن أسرة عريقة ذات نسب وجاه وتربط حتمية حسن أعماله وتوفيقه في تدبير الشأن العام وتسيره له بقبيلته وشرفه، إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم. الخبرة والتفاني الصادق وحفظ الأمانة هو أساس التفوق لا القبيلة. وهذا مشاهد ومعاين في ركب الحضارات والأمم السابقة والمعاشة،...ولا نذهب بعيد حتى لا نسقط في المقارنة غير المتكافئة، ما أشبه البارحة باليوم كيف هي حال مدينة العيون اليوم وحالها بالأمس القريب، وكيف حال مدينة السمارة بالأمس واليوم، كأن الزمن توقف فيها ولم يتحرك قط، إلا ما ظهر على رؤوسنا من  شيب بأن الزمن في مدينة السمارة مر من هنا !! يقول ابن خلدون في هذا الصدد إن مدى استعداد المعلمين والمتعلمين للتعلم يقصر مدة التعلم ويعطي نتيجته في أقل مدة:  "..إن استعداد المعلم ليكون معلما، واستعداد المتعلم ليتعلم. يسهل عملية التعلم ويحقق إلى أبعد مدى غاية التعلم. أما إذا وجد خلل في أحدهما أعاق الثاني" كذلك إن كانت الساكنة مستعدة للتنمية ومتلهفة لها ومشاركة فيها انتخابيا وتتبعا، وكان منتخبوها على استعداد لها من حيث صدق النية وحفظ الأمانة والرعاية، ولم تكن في نفوسهم فقط مطية للاسترزاق فإن تنظيمها سيكون سهلا وتحقيقها أقرب. ويقول أيضا في أن المعلم لا يمكنه أن يحقق النتائج والأهداف الغائية إن لم يملك ملكة التعليم كفن وليس كفهم ووعي، وذلك لأن الفهم والوعي يشتركان فيهما من يحذق المهنة ومن لا يحذقها"2 ومن هذا المنطلق فإن التسيير وتدبير الرعية ملكة وفن وخطة استباقية لا يقدر عليه أي كان. وإلا أصبح كل من هب ودب بامتلاكه للفهم والوعي أن ينبري لهذا الشأن ويمد له بكل أسباب القوة والبقاء والتدبير ردحا من الزمن وهو راكد على حاله دون نتيجة،  بل الأعظم من ذلك أن يعاد كل دورة لا لسبب إلا أنه ذو أصل شريف ومن قبلتي وهذا هو حالنا اليوم.

6- لا علاقة بين صلاح الشخص وإيمانه وسلوكه وبين أحقيته للرئاسة والساسة وتدبير شأن الرعية وهو ضعيف الهمة، فالراجل الصالح الضعيف الذي لا يقدر على شق المكاره والمكابدة والكد في السعي والرقي برعيته فصلاحه لنفسه وضعفه راجع  بالأصل على ساسته ورعيته، وراجع أيضا  بالتبع إلى من مده بأسباب الناجح والبقاء وإن كان ذو أصل وشرف. والرجل الفاجر القوي وإن كان دنيء القوم فقوته لرعيته وساسته وفجوره لنفسه، سئل الإمام أحمد : عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزو ؟ فقال :"أما الفاجر القوي ، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه، لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر".

وعليه اعتقد والله أعلم أن ما نحن فيه الآن من وهن وتأخر يرجع بالأساس لأنفسنا ومدى استعدادنا للتقدم والتنمية كما قال ابن خلدون آنفا، وذلك أصله تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، فنبيع رأينا وصمتنا ونساوم بما يقدم لنا من خدمات أفذاذ كل يعطى له منفرد، وبمعنى أخر كل طلب على أساس القبيلة والزبونية وولد فلان يشترى به الصالح العام، كأننا نفترس كما تفترس النعجة المنفردة عن الجماعة،  مما يجعلنا متصادمين مع واقع مر يفتقر إلى أدنى البنيات التحتية، كالمراكز الثقافية وتأهيل المستشفيات ومشارب الطرق و جلب الاستثمارات النافعة المحرك لسوق الشغل ودينامكية الحياة.

وفي الختام  دعوها فإنها منتنة..

مراجع:

-  ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ابن خلدون ص: 160-161.

- المرجع السابق ص:501، بتصرف.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

صوت وصورة