النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | حوار | باحث مغربي: الصحراء تعاني من تضخم السياسة وغياب الثقافة

باحث مغربي: الصحراء تعاني من تضخم السياسة وغياب الثقافة

باحث مغربي: الصحراء تعاني من تضخم السياسة وغياب الثقافة

غداة الاحتفاء بالقائد الحبيب ولد بلال في السمارة، كأحد من رموز المقاومة بالصحراء، يرى الباحث محمد بوزنكاض، أن ثمَّة حاجةً، اليوم، إلى مساءلة ما جرت كتابته حول المقاومين، على اعتبار أنَّه انصرف في جزء كبير من إلى السطحيَّة وتغليب السرد والوصف، دونما التفات إلى البنيات الثقافيَّة والاجتماعيَّة التي أنتجته وفسرتْ التفاعل معهُ من منطلق الجهاد، بمنظورٍ ديني.

بوزنكاض يقول في حوار مع هسبريس إنَّ قضية الصحراء اضطلعت بدورها قي تحيين القبلية وتقويتها، سيما أنَّ الدولة احتكمت إلى القبيلة في توزيع الحقوق والمكاسب وتوظيف التناقضات القبلية وإعمال أسلوب الترضيات القبلية، حتى أنَّ حضور القبيلة تجاوز الإنسان إلى المجال، وهي ممارسات أسهمت في استدامة الواقع الحالي. يخلص الباحث.

كيف ترى الالتفاتة للاحتفاء بالقائد الحبيب ولد البلال بمدينة السمارة، وهو واحد رموز المقاومة بالصحراء؟

لا يمكن للمتلقي خاصة الباحث إلا أن يستبشر خيرا بمبادرات من هذا القبيل تبتغي الاحتفاء بالذاكرة والمصالحة مع المجال عبر إعادة جزء من الاعتبار لشخصية بصمت تاريخ الصحراء في سياق تاريخي ملتبس مثل شخصية القائد لحبيب ولد البلال الذي تنكر له ولإسهاماته أهل السياسة وأهل العلم، فشكلت مظلوميته جزءا من مظلومية قبائل الصحراء ككل وشريحة المقاومة بشكل خاص، غير أن التجارب علمتنا أن الحكم على هذا النوع من المبادرات يجب أن يتأسس على تفاعلات هذه المبادرة وامتداداتها وإذا ما كانت ستؤسس لبداية حقيقية لإعادة كتابة تاريخ المقاومة في المغرب عامة وفي الصحراء على وجه الخصوص باعتبارها مدخل لإعادة الاعتبار للعناصر الفاعلة في كتابة هذا التاريخ في سياق مجتمعي يحتكم فيه الحكم على كل سياسة إلى الأثر المعنوي الذي تحدثه وتصحيح عدد من الخلاصات النظرية التي أسدلت مجموعة من أحكام القيمة على عدد من الأشخاص في مساءلتها لتدبيرهم للعلاقة مع الاستعمار في هذه الفترة، وملء البياضات والثغرات التي تميز هذا التاريخ.

ما هي ملاحظاتك على الكتابة حول المقاومة في الصحراء؟

أرى أنه قد حان الوقت لمساءلة تجربة الكتابة حول المقاومة والتي يلاحظ الباحث أنها اتسمت بالسطحية وتغليب الوصف والسرد والتركيز على الأحداث والمعارك في وقت غابت فيه الترجمة لرجالات المقاومة وانتفى فيه التحليل والعمق الذي حال دون تجاوز الحدث للبحث في البنيات الثقافية والاجتماعية والذهنيات التي صنعت هذا الفعل وفسرت التفاعل معه عبر الجهاد الذي امتاح من مرجعية دينية قبل أن يظهر مفهوم المقاومة الذي استند إلى مرجعية قومية وطنية حولت المقاومة إلى لحظة لإنتاج المشروعية السياسية للدولة والترافع السياسي حول قضية الصحراء.

طيب، ألا ترى أن الرواية الشفوية قوية في الصحراء خاصة وأن الأشخاص لازالوا أحياء إلى حدود الآن، وكيف تفسر تناقض هذه الروايات؟

هذا صحيح، لأن تاريخ المقاومة في الصحراء ينتمي إلى التاريخ الراهن الممتد في الحاضر والمتسم بحضور طافح للذات، وتطرح الكتابة عنه حساسيات مفرطة خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحراء كسياق اجتماعي ملتبس تلقي الكتابة عنه مسؤولية أكبر على الباحث بالنظر للمحاذير التي تطرحها دراسة هذه الفترة التي تفرض على المشتغل بالتأريخ لها التزود بعمق معرفي ومنهجي يجعله يتعاطى بدقة مع تاريخ هذا المجال بوعي بخصائص وبنية مجتمع الصحراء وطبائعه، غير أن هذه الفترة تتيح في الآن نفسه الاستفادة من الرواية الشفوية واستيعابها بالنظر لإمكانية الاستفادة من رواية عدد من الأشخاص الذين عاصروا الحدث وكانوا جزءا منه، وعرض هذه الرواية على منهج تاريخي يروم إخضاعها للوقائع التاريخية واعتماد المتواتر منها لتجاوز التأويلات والتناقضات التي تطفح بها الروية في استثمار للذاكرة، مما يفرض التفكير بجدية في مداخيل جديدة لإنتاج المادة المعرفية التي تتيح فتح أفاق جديدة للبحث التاريخي والأنثربولوجي حول المجال، وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من تجارب بلدان إفريقيا جنوب الصحراء التي نتقاطع معها على مستوى طبيعة الحضارة الشفوية، والتي انخرطت في الاستفادة من الرواية الشفوية في كتابة تاريخها.

ألا ترى معي أن المعطى القبلي في الصحراء حاضر بقوة إلى درجة أن جبهة البوليساريو الانفصالية بالرغم من أن "دستورها" يجرم الانتساب القبلي فإن القيادة خاضعة للتوازن القبلي، هل من توضيح في الموضوع؟

تشكل القبيلة معطى تاريخي أنثربولوجي واقعي وممتد في الحاضر ومدخل أساسي لفهم بنية المجتمع وموجه للسلوك السياسي لأهل الصحراء، وهو الواقع الذي استوعبته الأنظمة الاستعمارية التي اتخذت من القبيلة وتوظيف تناقضاتها واستثمار تنظيماتها وأعيانها مدخلا لتنزيل سياساتها الاستعمارية بالمنطقة، وهو الواقع الذي يفسر حضور القبيلة لدى البوليساريو بالرغم من أن أدبياتها تتأسس على تجريم القبلية منذ لحظة التأسيس التي حمل خلالها الولي مصطفى السيد شعار "القبيلة جريمة وطنية" غير أنه ما لبثت، أن عادت القبيلة لتطفو إلى السطح وتوجه سياسة البوليساريو في توزيع المناصب والمسؤوليات على أساس الثقل الديمغرافي والوزن السياسي لكل قبيلة و"مشروعيتها النضالية"، وهو الواقع الذي أنتج انتفاضة 1988، التي أعادت ترتيب التوازنات القبلية بتندوف وعكست الحقيقة المضمرة والمتمثلة في دور القبيلة في توجيه السلوك السياسي بالمخيمات والتي حضرت كذلك في المؤتمرات وفي تحديد بنية الأمانة العامة للبوليساريو.

وماذا عن المناطق الصحراوية الخاضعة للسيادة المغربية؟

مما لاشك فيه أن قضية الصحراء أسهمت قي تحيين القبلية وتقويتها، حيث ظل التعاطي على أساس قبلي كذلك في المناطق الجنوبية، إذ احتكمت الدولة إلى القبيلة في توزيع الحقوق والمكاسب وتوظيف التناقضات القبلية وإعمال أسلوب الترضيات القبلية، بل الواقع أن حضور القبيلة تجاوز الإنسان إلى المجال، حيث احتكمت الدولة في التقطيع الترابي الإداري إلى منطق الامتدادات القبلية، وكذلك الشأن شكل هذا المحدد موجها في إفراز النخب التي ارتبطت بالزعامات التقليدية في هذه القبائل وغض الطرف عن التوظيف السياسوي للقبيلة في الاستحقاقات الانتخابية، وهي الممارسات التي أسهمت في استدامة هذا الواقع.

إننا لا ندافع عن القبيلة التي ستزول بمنطق حتمية التطور والتي تعيق البناء السياسي في كل مجتمع عصري، غير أننا نتوقف عند حدود توصيف واقع قائم يفترض الإقرار به واستحضاره في بلورة سياسات تتسم بالواقعية وتستند إلى مرجعية علمية ومعرفية بجزئيات هذا المجال قبل عمومياته وإلا فكل سياسة تقفز على هذا الواقع تصبح سياسة غير واقعية تنتج بالضرورة الاخفاقات.

هناك سؤال تبادر إلى ذهني، أستاذ، ونحن نتابع النقاشات السياسية التي تتلبس بالبعد القبلي، سؤالي على وجه التحديد: هل للثقافة دور في فهم السلوك السياسي في الصحراء؟

جدير بالذكر أن اللحظات التاريخية لحرب الصحراء وسنوات الرصاص وسمت بشكل لافت الوعي الجماعي لأهل الصحراء بمظلومية تاريخية خلقت الخلفية النفسية للحركات الاحتجاجية التي تميز المنطقة بل وتساهم في بلورة جزء من المواقف العدائية تجاه السلطة وغرابتها في فضائها، فكان من مخرجات هذه السيرورة التاريخية والخصائص الأنثربولوجية لمجتمع الصحراء أن طغى المعنى السياسي إنتاجا واستهلاكا في سياق مجتمعي يملك استعدادات قبلية تخلق شغفا بالنقاش والفعل السياسي المنتج للأثر المعنوي الموجه لسلوك الأفراد والقبائل في تدافعها المستمر لانتزاع القيادة والزعامة والاعتبار الرمزي المترتب عنها والذي يتحدد على أساسه التمايز والتفاضل اجتماعيا.

هل نفهم من كلامك أن البعد الثقافي مغيب في فهم النزاع وأن التضخم السياسي في مقاربة الموضوع يحجب عن الرائي طبيعة المشكل؟

إن غياب استحضار الخصوصية التاريخية والثقافية ومن ثم الخلفيات التي أنتجتها في تعاطي الحكومات المتعاقبة مع المجال، هو ما يفسر الإحباطات التي المتراكمة، والتي ركزت على البنيات التحتية وأهملت الإنسان الذي عجزت عن إدماجه عبر سياسات تركز على البعد الاجتماعي / الثقافي كمدخل لفهم بنيات المجتمع وإشراكه بشكل يخاطب الجانب المعنوي ويساهم في إعادة الاعتبار للمجتمع وينتج الثقة في علاقات الفاعلين عبر تجاوز التردد الذي ظل يشكل السمة البارزة لدى الأوساط السياسية بالمغرب والمراهنة على الزمن الذي يفوت على الدولة فرص كثيرة، وذلك في أفق تحقيق مصالحة حقيقية مع المجال والإنسان.

وبذلك فقد غاب الفهم الثقافي بفعل احتكار الدولة العميقة للملف بشكل حال دون بلورة هذا الفهم وإشاعته بما قد يساعد الفاعلين في تدبيرهم لقضايا المنطقة، مما يؤدي إلى غياب الأساس النظري العلمي الذي يجب أن تستند إليه كل سياسة واعية تبتغي الواقعية والفعالية.

طيب، هناك احتجاجات عارمة داخل مخيمات البوليساريو، أين يتجلى حضور البعد الثقافي في هذه الحركات الاحتجاجية ؟

هنا لا بد من التأكيد مرة أخرى أن مجتمع الصحراء يتسم بخصائص تجعل المدخل الثقافي الأنتربولوجي منطلقا لفهم سلوكه الاحتجاجي والسياسي عموما، وهو الأساس الذي يؤصل لقيم ترفض الحيف والشطط والاستبداد بمختلف أشكاله، وبذلك فقد كان من الطبيعي أن يخلق غياب التداول على رأس قيادة البوليساريو وهياكلها، في سياق الربيع العربي، بعض الارتدادات في شكل حركات احتجاجية رافضة لهذا الأساس الذي تستند إليه قيادة البوليساريو والمرتكز على مشروعية لحظة "الثورة" والتي فقدت فاعليتها، وفي سياق توقف حرب الصحراء والانتقال من الحركة التحررية إلى لحظة "الدولة" التي ستنتج ولادتها القيصرية هذا النوع من الانعكاسات في سياق قبلي يخلق نوعا من الممانعة تجاه كل محاولة للمأسسة، كما أن طول أمد قضية الصحراء أثر على الآمال المعقودة لتسوية هذا المشكل، وهو الأمر الذي يراهن عليه الصحراويين لوضع حد لمعاناتهم.

كما أن من بواعث هذا الفعل الاحتجاجي تقييد حركية الصحراويين في المجال خاصة من أجل التجارة بما يتناقض مع طبيعة الإنسان الصحراوي الذي يقدس الحرية ويرفض القيود كيفما كانت، وبالنظر للطبيعة العشائرية للمجتمع، فقد كان طبيعيا أن يتردد صدى كل فعل احتجاجي ويسري سريان النار في الهشيم لتتخذ هذه الاحتجاجات طابعا قبليا.

وهو المدخل نفسه الذي يفسر الحركية الاحتجاجية التي اتخذت في الأقاليم الصحراوية شكل حركات رد اعتبار لقبائل معينة عانت من الازدواجية في مقاربة الدولة ودورها في تعزيز التناقضات القبلية.

إن فهم هذه الخصوصية يعكس الآليات التي حكمت الفعل الاحتجاجي بالصحراء ويفسر أهمية المعطى الثقافي في فهم الخصوصية المميزة للسلوك السياسي بالمنطقة.

الملاحظ في السنوات الأخيرة أن مجموعة من الباحثين أصبحوا يولون أهمية للبعد الثقافي للقبيلة والمجال والتاريخ على حساب السياسة، كيف تفسر ذلك؟

لاشك أن مجتمع الصحراء يتسم بارتباطه بالتاريخ بأمجاده وأتراحه، وبالمجال ببعده الرمزي القداسي وبحضور طافح للثقافة ببعدها الشعبي الشفهي باعتبارها ذلك المشترك الذي يصنع الوعي الجماعي، حيث تفسر هذه الاعتبارات ما تشاهدونه من إقبال على هذه الأبعاد التي تشكل محددات للهوية، في مقابل غياب الثقافة العالمة والبحث الأكاديمي الذي ظل على هامش اهتمامات المجتمع المدني والإعلام والدولة بمؤسساتها المختلفة في مقابل الكثافة التي ميزت حضور النقاش السياسي والأمني واختزلت هوية المجال في المعطى السياسي، وغابت الثقافة عن أولويات الدولة، الأمر الذي تمت ترجمته على مستوى انعدام مراكز البحث والجامعات والمعاهد، وغياب الأبحاث والدراسات التي تتناول المجال والإنسان مقارنة بالتراكم المعتبر الذي أنتجه الاستعمار، وهو الواقع الذي أفرز إكراهات مختلفة واجه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي جانبا منها بمناسبة اشتغاله على إعداد النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية والذي صادف شحا كبيرا على مستوى المادة العلمية التي تصلح منطلقا لبلورة أي سياسة تستهدف المنطقة، وستواجهه لاشك التوجهات المقبلة، مادام أن الاعتقاد السائد في الأوساط المعنية أن الجدوى إنما تتحدد بتفريخ وتوسيع الأجهزة الأمنية وإعمال مقارباتها ووضع الإمكانات الاقتصادية والإدارية في خدمة تحقيق هذه الأولويات.

كما أسهم الإعلام بحظ وافر خاصة منذ أحداث كديم ايزيك في تعميق الهوة بين الشمال والجنوب بما أسدله من أحكام قيمة في شكل انفعالات عمقت العداء والحقد تجاه الصحراويين بما أنتجته من صور نمطية غذتها السلطة بشكل ضمني عبر غض الطرف عن هذا التحامل وتسويق خطاب التخوين تجاه الصحراويين بشكل ستكون له انعكاسات خطيرة على التعايش والاستقرار بما يفرض على الإعلام الهادف أن يضطلع بدوره في التعريف بالصحراء وخصائصها الثقافية والمجتمعية وينخرط في عملية رفع اللبس والغموض الذي أنتجه الإعلام في حق الصحراء والصحراويين.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

صوت وصورة