النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
الرئيسية | حوار | إبراهيم الحيسن: البحث العلمي حول ثقافة الصحراء لا يزال هزيلا وبحاجة إلى المأسسة

إبراهيم الحيسن: البحث العلمي حول ثقافة الصحراء لا يزال هزيلا وبحاجة إلى المأسسة

إبراهيم الحيسن: البحث العلمي حول ثقافة الصحراء لا يزال هزيلا وبحاجة إلى المأسسة

- من خلال اشتغالك على التراث والثقافة في المجتمع الصحراوي، ما هي الخلاصات التي توصلت إليها؟ هل هناك من مميزات لها قياساً مع باقي «التكتلات الاجتماعية» الأخرى في المغرب؟
< الثقافة الصحراوية جزء من الثقافة الإنسانية، لها هوية وجذور وخصائص وسمات أنثروبولوجية متنوعة تميزها عن باقي الثقافات المجاورة والبعيدة. فهي ثقافة مطلقة الدلالة على الهوية والذات، ويجب أن تكون مطلقة، غير أن إطلاقيتها تُعَدُّ قانوناً متضمّناً ومضمناً يختزل في عمقه ثوابت كثيرة راسخة تستعصي على التغيير وتنفلت من فعل التاريخ وعصيانه. ثقافة شعبية مستمدة من ماض عريق يستمر فاعلاً في الحاضر..وحاضرٌ متحوِّل يقبل التراكم الثقافي الموروث الذي يرسم ملامح الأنا والهوية والعلاقة مع الآخر. ومن خلال بعض الأبحاث والدراسات التي قمت بها، استخلصت أن الثقافة الصحراوية تنهض كثيراً على سؤال الهوية التي هي من التيمات الأساسية ومن الحيوات التي تتسلَّل دائما عبر فجوات الإبداع وتسيطر عليه، لتصبح بذلك الذات والهوية شرط وجود..ويتم التعبير عن هذه الهوية من خلال الأشكال الثقافية والمظاهر الاحتفالية والمعتقدات الشعبية والطقوس الدينية ومختلف التعبيرات الشفوية والمسارب الأدبية التي راكمها المجتمع الحسَّاني الصحراوي على امتداد تاريخه الثقافي العريق..
- أبرزت في كتابك «إثنوغرافيا الكلام.. الشفافية ومأثورات القول الحسَّاني» بأن الكلمة لدى المجتمع الحسَّاني الصحراوي شأن «مقدس».  كيف يمكن التدليل على ذلك؟
< بالفعل، ودليل ذلك أن الإنسان الحسَّاني الصحراوي كان يحتقر قديماً فعل الكتابة ويحسبه أمراً ثانوياً، على اعتبار أنه كان سريع البديهة وقوي الخزن والتذكر، بل كان قادراً على حفظ المتون الشِفاهية والحرص عليها للاهتداء بها عند الاقتضاء، كما في قولهم: «اللِّي عَنْدُ النَّصْ مَ يَطَّمَّسْ» (من لديه النص لا يضل). لذلك لم يكن التدوين عنده سوى تضييع للوقت وإجهاد زائد لا طائلة من ورائه، ولا أدلَّ على ذلك وجود مجموعة من الإبداعات والتقوُّلات الشعبية التي تجسِّد أهمية اللسان عند المجتمع الحسَّاني قبل الذاكرة المنقولة كتابة. ومن قولهم في ذلك: «لَكْلامْ سَابَگْ»وأيضاً: «كْلاَمْ اللَّوْلِينْ مَ يْكَذْبُوهْ لَكْتُوبْ».من ثم نفهم بأن إنسان الصحراء كان يُولي اهتماماً كبيراً للقول Parole وللتقاليد المروية والمسرودة بشكل عام. يَبرز ذلك من خلال اعتقاده وتمسُّكه بجدوى كثرة الكلام، كما في المثل الشعبي الحسَّاني: «كَثَّرْ كْلاَمَكْ تَسْتَوْلَ»، أو «كثَّرْ كْلاَمَكْ تْعُودْ وْلَيْ». ويمتد هذا الاهتمام بالمنطوق لتقليد عربي قديم كما في قول أبي حيان التوحيدي حول العرب: «كان وَلَعُهم بالكلام أشدَّ من ولعِهم بكلِّ شيء، وكلُّ وَلَعٍ كان لهم بعد الكلام، فإنَّما كان بالكلام». فالكلام هو كائن حي روحه المعنى وجسمه اللفظ. فإذا فصلت بينهما أصبح نفساً لا يتمثل والجسم جماداً لا يحس.
الكلمة شأن مقدَّس لدى المجتمع الحسَّاني الصحراوي..هي دليل هويته وعنوان وجوده. جاء في قولهم الشعبي: «اتْكَلَّمْ تَنْعْرَفْ»، يُرادفه تفصيحاً تعبير «تكلَّم تُعرف»، وهو مثل عربي يعني أن من تكلَّم عُرف مَن قومه، ومن صديقه، ومن يكره، وإلى أين يميل قلبه. وله وجه آخر، أن من تكلَّم عُرف مدى عقله وموقعه من الفصاحة والمعرفة. ولذلك ينهون بالتحفُّظ والتريُّث في الكلام، كما في تعبيرهم العامي «اللِّي تْكَلَّمْ بُوهْ مْعَلَّمْ»، أي من تكلَّم فأبوه حدَّاد، وهو مثل يُضرب للنهي عن التعجُّل بالكلام والإسراع إليه، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى الوقوع في الغلط، خاصَّة إذا كان الكلام مُتَّصِلاً بالطعام. في نفس الإطار، نجدهم يحذرون المرء من النهي عن خلق يأتي بمثله: «لاَ تْگُولْ لْكَلْمَ اللِّي فِيهَ جْوَابْهَ»، أي لا تقل من النقد ما فيك مثله..إلخ.
إنَّ الحياة وطبيعة العيش في الصحراء يبعثان على الكلام وتكسير الصمت بالمحادثة وتبادل الأخبار والمعلومات حول الأقارب ومضارب الخيام وأحوال المراعي والآبار والغيد..والعيش في الصحراء قائم على الاستماع والإصغاء وليس على ملء البطون، كما في قولهم الشعبي: «لْبِيظَانْ يْعِيشُو بْوَذْنيهُمْ مَاهُ بَكْرُوشْهُمْ».   
- هل يمكن القول إنه بحكم العيش في الفضاء الصحراوي يعكس الإنسان هناك في إبداعاته بمختلف تنويعاتها تلك الرؤية الأولى والصافية للعالم والمحيط من حوله قبل هجوم «تشويشات» المدينة؟
< كل الإبداعات والتعبيرات الأدبية والفنية والجمالية التي ينتجها الإنسان الصحراوي هي امتداد لفضاء عيشه المطبوع بالتنقل والترحال. وهذا الفضاء الصحراوي مخصوص بالشساعة والاتساع والمطلق، لكن هذا الفضاء أضحى اليوم مهدداً ومخترقاً قيمياً وثقافياً!! 
     في ظل ذلك، تنمو الثقافة الصحراوية وتحيا كإنجاز كمِّي يتفاعل مستمراً في الزمان/التاريخ والمكان/الجغرافيا، وكرصيد حضاري متنوِّع يستمد قوَّته وعظمته من قدرته العالية على التكيف مع الوسط الذي أنتجه..إنجازٌ قادرٌ على استيعاب مفهوم الحضارة والتطور في أفق الخصوصية الصحراوية بكل تمفصلاتها وإبدالاتها انطلاقاً من عناصرها البيئية والجغرافية.
     بهذا الارتباط مع الوسط الطبيعي، تتصدَّى الثقافة الصحراوية لأي تيار كاسح جارف..وترفض أي تنميط للقيم والمفاهيم، أو أي تخريب للمكاسب التي راكمها المجتمع الحسَّاني الصحراوي في سيرورته الحضارية والتاريخية وصموده الثقافي الطويل ضِدَّ كل استلابٍ وأَلْيَنَةٍ Aliénation، أو أَدْلَجَةٍ قد تفرضها معايير وأذواق برَّانية دخيلة على الشخصية الصحراوية، كما ترفض الانصهار داخل أي هوية خارجية يحدِّدها الآخرون..
- في هذا الإطار، هل يمكن الحديث عن «ثقافة الصحراء» التي لا يمكنها أن تنمو خارج هذا الفضاء الصحراوي؟
     سيكون إجحافاً حصر الحديث عن الثقافة الصحراوية ضمن فضاءات محدودة ومغلقة. فقيمة هذه الثقافة تزداد وتتسع بمقدار ذيوعها وانتشارها على نحو زمني مفتوح يضمن لها التكيف والاستمرارية والترسيخ. إنها ثقافة المد والمدى والامتداد، وليس الحدودية والانغلاق. مبرر ذلك أن الثقافة الصحراوية تؤمن بالاختلاف والتعددية Pluralité ومنفتحة على تراث الآخر وتحترم رموزه الدينية والإثنية في سياق التلاقح والتثاقف الإيجابي اعتباراً لأن المكان الحقيقي للثقافة هو التفاعلات الفردية، على حد تعبير سابير Sapir، الذي يُعَدُّ من الأنثربولوجيين الأوائل الذين عدُّوا الثقافة منظومة اتصال بيفردية (بين الأفراد). وبدون هوية ممتلئة بمقوماتها يكون الانفتاح على الثقافات الأخرى، خاصة المهيمنة منها، مدعاة للانزلاق نحو الوقوع ضحية للاستلاب والاختراق..وهذا ما يسعى الإنسان الصحراوي إلى تفاديه ليظل طبيعياً كما هو En tant que tel عبر تخلصه من أصفاد العولمة التي تقتل الخصوصيات والأقليات، وتمحي الاختلاف، وتضعف مقاومته (أي الإنسان الصحراوي) وصموده أمام كل تدجين ساع إلى تدمير مناعته الثقافية.
- أمام هذا المعطى، ما هي الإجراءات التي يجب أن تتخذها الجهات المسؤولة من أجل حفظ إنتاجات الصحراء الإبداعية وكذا تقييد أساليب العيش المنذورة للضياع؟
< الحاجة أمست اليوم أكثر من ملحة لصون التراث الصحراوي، بصنفيه الشفاهي والمادي، من المحو والتفتت والاندثار، عبر تشييد وتقويم استراتيجيات علمية وعملية تشارك في صياغتها وبلورتها كل الفعاليات والدوائر والمؤسسات (المدنية والحكومية) المعنية بالسؤال التراثي.
     ويُعتبر التدوين أولى هذه الخطوات لكونه كتابة واعية تروم بالأساس الحفاظ على صنوف الإبداع الإنساني بمختلف أجناسه ومكوِّناته. وهو أيضاً سِجِلٌّ لإنتاجات المجتمع وخير شاهد على ما خلده أبناؤه من إبداعات ومنجزات وقيم ومُثل. لذلك يُعَدُّ التدوين سنداً مرجعياً يتم بفضله الاستناد والرجوع إلى ما تركه الأسلاف من موروثات لاستخلاص العِبر والدروس والعظات..وتبعاً لذلك، نرى أن مسألة تدوين التراث الصحراوي باتت تشكل حاجة أساسية لا محيد عنها ستسهم -ولا شك- في تحويل الخطاب التراثي من إطار التداول الشفهي إلى إطار التلقي المكتوب (أو المصوَّر). فإثارة هذا السؤال (تدوين التراث الصحراوي) ينطلق من وجود حالات التردي والتشويه التي باتت تنخر جسد هذا التراث وترمي به إلى دائرة الانمحاء والتفتت والانقراض.
ولتفعيل آليات تدوين التراث الصحراوي، لا بُدَّ من إيجاد تصوُّرات عملية وأساليب إجرائية كفيلة بكتابة وإعادة كتابة مكوِّنات هذا التراث، بانخراط كل الجهود (الفردية والجماعية) لتحويل هذا الحلم إلى حقيقة على أرض الواقع. ومن أجل ذلك أقترح: جمع المادة التراثية انطلاقاً من تشجيع الباحثين والمهتمين وتحفيزهم على جمع هذا التراث عبر تحديد استراتيجية عمل دقيق وممنهج،  وأيضاً دعم التراث ودراسته وتفعيله، عن طريق إدخاله في مناهج التعليم النظامي وغير النظامي واعتبار المدرسة فضاءً لتلقين واكتساب المبادئ الأساسية للحفاظ على التراث الثقافي الوطني، وإنشاء مجالس شعبية استشارية تعهد إليها مهمة دعم التراث (إحداث صندوق للدعم، الدراسة والتتبع والتقويم، دراسة المشاريع التراثية وإنمائها..)، ثم إحداث متاحف إثنوغرافية وأثرية باعتبارها مؤسسات علمية يرتكز دورها على تقديم فكرة عن بعض الروائع والنفائس والنماذج الجمالية والعينات التراثية التي راكمها المجتمع، مع خلق جمعيات علمية متخصِّصة تضع على رأس أهدافها دعم التراث الشعبي في مختلف المجالات المتصلة بالثقافة الإيكولوجية والحفريات (المواقع الأثرية) والمخطوطات والمسموعات والإبداعات البصرية. دون نسيان دور الإعلام و انفتاح الجامعات ومراكز البحث العلمي على هذا التراث من خلال الموائد المستديرة والأيام الدراسية والورشات البحثية وإعداد الرسائل والأطروحات، وغيرها.
- لماذا تبقى المجتمعات الصحراوية، في رأيك، بعيدة عن اهتمامات علماء الاجتماع والأنثربولوجيين في المغرب بخلاف ما نجده لدى أمثالهم من الباحثين الأجانب؟
< سؤال وجيه لم يسبق طرحه، حسب علمي المتواضع، وهو مرتبط بمجموعة من الشروط المادية واللوجيستية التي يجب إتاحتها لهؤلاء الدارسين والباحثين لكي يسلطوا المزيد من الضوء على المجتمعات الصحراوية، وفي قلبها يوجد مجتمع البيضان Société maure. 
فالبحث العلمي حول ثقافة الصحراء لا يزال هزيلاً وبحاجة إلى مأسسة فعلية تخرجه من دائرة البؤس التي يتقوقع بداخلها. حصيلة ذلك أن المكتبة التراثية بالصحراء تكاد تخلو من دراسات أكاديمية معمقة حول العادات والتقاليد والأعراف وأشكال العيش والاتصال عند البيضان. موازاة مع هذا النقص المهول، توجد بعض الدراسات والكتابات الكولونيالية، وهي على درجة واسعة من الأهمية، رغم سياقاتها السياسية والإيديولوجية. في هذا السياق، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر كتابات مجموعة من المؤرخين والجغرافيين والرحالة الواردة في كتاب موريس بارييه M. Barier . ويوجد من بين هؤلاء الفرنسيين إيميليان رونو E. Renou وإليزي ريكلوس E. Reclus وألفريد دو شاتولييه A. de Chatelier وكلهم كتبوا عن قبائل الصحراء وحدودها الجغرافية. كما أذكر مذكرات الرحالة روبير آدام R. Adam  (1816)، سيما منها ما يتعلَّق بقبيلة أولاد أبي السبع، وأيضاً جيمس ريلي James Riley (1817) الذي كتب حول نساء وأطفال الصحراء ومساكن البدو، وكاميل دولز في وصفه لحياة الترحال وإيقاع العيش بالصحراء، والسنغالي ليوبولد باني L. Panet (1850) الذي تخصَّص في الاحتفاليات الاجتماعية، وعلى الخصوص شعائر الزواج التقليدي عند البيضان، والإسباني جواكيم كاتل Joachim Catell  (1869- 1871) الذي يكاد يختص في شؤون قبائل تكنة. 
 وأذكر أيضاً الباحثة الفرنسية صوفي كاراتيني S. Caratini التي أنجزت مؤلفاً حول الرگيبات (في جزأين) صادر بباريس عام 1989 عن دار لارماتان، وهو بعنوان Les Reguibat (1610- 1934) : Des chameliers à la conquête d’un territoire. ولها كذلك كتاب بعنوان «أطفال المزن» Les enfants des nuages صادر عن دار سوي Seuil عام 1993. دون أن أنسى عالم الاجتماع الإسباني خوليو كارو باروخا J. C. Baroja الذي أنجز مؤلفاً مدعَّماً برسوم وصوَّر إيضاحية بعنوان: «دراسات صحراوية Estudios saharianos». هذا المؤلف نقلته إلى الفرنسية الباحثة مارييلا فيلاسنت دي بوفي Mariella Villasante de Beauvais  اعتماداً على نسخة 1990 الصادرة بمطابع خوكَار Jugar  بمدريد.
     في جانب متَّصل بالأدب الشعبي الحسَّاني، وعلى الخصوص المتون الحكائية والمرويات، يجدر بي ذكر المجهود الذي قام به أحد الكولونياليين الفرنسيين بالسنغال يُدعى اسماعيل هامتIsmail Hamet  الذي تمكن من إنجاز مؤلف بعنوان: «نبذة من تاريخ الصحراء القصوى» ضَمَّ العديد من النصوص السردية التي اهتمت بالتاريخ الديني والاجتماعي للحسَّانيين. وأيضاً غابريل فرال G. Feral الذي أنجز مؤلفاً مرجعياً حول موسيقى البيضان بعنوان «دف الرمال» Le tambour des sables ، صادر عام 1983 عن دار النشر والتوزيع  France- Empire..
     وفي مجال الفنون والتراث كذلك، أذكر الكاتبة والرسامة الفرنسية الراحلة أوديت دي بيگودوO. du Puigaudeau  التي أنجزت مؤلفاً مهمّاً يرصد الحياة لدى بدو الصحراء/ البيضان بين عامي 1934 و1960. وهذا الكتاب -المدعَّم برسوم وإسكيزات إيضاحية- ظهر عام 2002، وأيضاً في عام 2006 عن دار النشر Ibis press قبل أن يُطبع في حُلَّةٍ جديدة بعنوان «فنون وأعراف البيضان» Arts et coutumes des Maures نشر الفنك بالدار البيضاء لعام 2009. والكتاب يُعَدُّ في الأصل تجميعاً لسلسلة مقالات تحليلية نشرتها الكاتبة سابقاً بمجلة Hespéris Tamuda..وغير هذه النماذج كثير.
- لامست في بحث لك «المنطقة المحظورة» للجنس في الصحراء، ما هي الخلاصات التي توصلت إليها؟ هل من تفرد ما في هذا الميدان عن باقي «التكتلات الاجتماعية» الأخرى؟
< الحقيقة أن الكلامُ في الجنسانية Sexualité الأنثوية بالصحراء يَكْتَسِي حساسيةً بالغةَ الخطورة والتحفُّظ، باعتباره مسكوتاً عنه يندرج ضمن طابوهاتٍ متراكمة خَنَقَهَا الكبتُ Refoulement وغيابُ الاعتراف، مثلما قمعها عنفُ المجتمع وصادرتها سلطتُه اللغوية والثقافية والدينية والأخلاقية (الإتيكية)..يبرز هذا من خلال التعامل السوسيولوجي مع الجنس بكثير من الرقابة..هي بلا شك سلطة على الجسد من خلال نمط التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تفرض شروطا معينة على الجسد الأنثوي تحديداً. من ذلك طريقة اللبس وشد الشعر والحزام وحركات المشي ووضعية الجلوس والنظر والكلام والعلاقة مع الأغيار..إلخ. كما يسعى المجتمع إلى تعليم الفتاة كيفية المحادثة بعدم رفع الصوت وإعلاء النظر والتقليل من الكلام وضبط إيقاع الضحك والاعتدال في الخطو وتفادي الترنح المحيل على الإغراء (أو الحلوى في طور الذوبان) وجمع الأرجل خلال الجلوس وإغلاق الفخدين وتغطيتهما وعدم الجلوس في وضعية متكئة أو مائلة (التمَرْفيگْ بالحسَّانية) وتجنب الجلوس في الأمام واختيار آخر الصف أو وراء ظهر الأم..أضف إلى ذلك ارتداء ملابس سابغة وساترة غير شفافة..إلخ.
إن التقاليد الثقافية والاجتماعية بالصحراء ترسم الكثير من الضوابط التي تسيّج جسد الأنثى وتجعله لا يتحرّك إلا وفق شروط ومعايير أخلاقية تعكس قيم المجتمع ورؤيته التربوية تجاه الجسد. فبالإضافة إلى الشروط المذكورة، يحظر على الفتاة أيضا الاستلقاء على الظهر باعتبار أن هذا الفعل والحركة مرتبطان بأطماع الشيطان.
- الشعر الحسَّاني  له خصيصة،  حسب ما أعلم، تميزه عن الشعر العربي هي «التَّبْرَاعْ»، حيث  تكون مبادرة التغزل من النساء بالرجال؟ فهل هناك من خلفيات اجتماعية أو غيرها تحكمت في قلب العادة؟
     «التَّبْرَاعْ» في الأدب الصحراوي كلام شعري منظوم تبدعه النساء الحسَّانيات تغزُّلاً في الرجال، في أجواء خاصة تطبعها السرية والكتمان والحرص الشديد على عدم التداول والانتشار نتيجة للحشمة والوقار والرقابة التي تمارسها الطقوس والطابوهات البدوية بالصحراء. ويُشاع أن أصل التَّبْرَاعْ شعر رجالي في صورة البيت الواحد وزنه الواگدي، وأن أقدم تبريعة هي قول فتاة مغرمة بناقة حبيبها المسمَّاة «البيضاء» التي عادت إلى الحي/ لَفْرِيكْ.
     التَّبْرَاعْ، إضافة إلى ذلك، كلام منظوم تنشده الفتيات تغزُّلاً في محبيهن بعيداً عن أنظار الرجال داخل مجموعات النساء وفي مجالس معيَّنة. وهذا الكلام المنظوم يتقاطع -إلى حَدٍّ ما- مع الشعر الشفوي لنساء «البَّشْتُونْ» الأفغانيات المعروف باسم اللاَّنْدَايْ Landay، والكلمة تعني حَرفياً «الوجيز» و»المقتضب»، وهو نص شعري مكثف وقصير جداً، يجد هويته الجمالية في فعل الوجَازَة والاقتضاب، اقتصاد الكلمات، والاكتفاء غالباً بسطرين شعريين بدون قَوَافٍ إجبارية دائماً، لكن مع صرامة في التقطيع الداخلي.
إنه شعر شعبي شفوي تبدعه النساء البيضانيات بكثير من البساطة اللغوية، ويُعَدُّ نوعاً من الشعر المثنوي الذي يعتمد قافية واحدة في شطريه. ويمكن تقسيمه إلى قديم يجري في شعاب الأودية وعلى الكثبان الرملية وفوق الربى وبجوار المضارب، يمتاز بالحشمة وتطغى عليه الرمزية واللغز، وإلى جديد وظف ما طرأ على الحياة من مواقف وتصرُّفات يمتاز بالوضوح والبساطة ويتضمَّن تعابير معاصرة وقضايا راهنة.
- ألا ترى أن ذلك ينم عن حضور وسلطة للمرأة الصحراوية لم تصل إليها بعد النساء العربيات؟ أم ماذا؟
< خارج نطاق الشعر، تحظى المرأة بقيمة استثنائية داخل المجتمع الصحراوي، وتُعتبر إهانة الرجل للمرأة انتقاصاً من رجولته وسبة في حقه، وأن أي تقصير يصدر منه في معاملته للمرأة  تجعله منبوذا وسط قبيلته وأسرته. ومنذ الصغر، يتم تلقين النشء التربية على احترام المرأة ممثلة في الجدّة والأم والأخت والقريبات والجارات والنساء عموماُ. فالصحراويون ينبذون تعنيف المرأة ويصنّفونه ضمن الطابوهات والمحظورات، حيث يعبّرون عن ذلك بقولهم الشعبي: «بَطَّاطْ أَخْوَاتُ، الشٍّيعَ مَا حْذَاتُ»، بمعنى أن من يضرب أخواته ضاعت سمعته.
فالمرأة الصحراوية، كما هو حال المرأة لدى مجتمع الملثمين، تحتل مكانة متميّزة بالمقارنة مع المجتمعات الإسلامية الأخرى. ففي الوقت الذي كانت قابعة بين جدران البيت في معظم بلاد الإسلام، نجدها اليوم تلعب أدوارا مهمة في مجتمع الصحراء، فهي تنافس الرجل في ميادين ومجالات عديدة ظلت حكرا عليه لردح من الزمن.
لقد فرضت طبيعة حياة البدو القائمة على التنقل ومصارعة الحياة مشاركة الجميع في أداء الأعمال الضرورية والشاقة أحيانا، فكانت تتولى القيام بالأعمال المنزلية، بالإضافة إلى الظعن. كما أن شكل وطبيعة المسكن الصحراوي (الخيمة) حرّر المرأة من كل عزلة وأكسبتها فرصة حضور الجلسات واستقبال الضيوف حتى لو كان ذلك في غياب الزوج، مع المحافظة على شرفها وعفافها. فهذا الحضور المسؤول والمنتج مكّنها من ممارسة دور سياسي مهم من خلال المشاركة في صناعة واتخاذ القرارات المتعلقة بالأمور العامة في مجلس القبيلة..
كما اشتهرت المرأة الصحراوية بالكرم والجود (لَمْرُوَّة) حتى في غيبة الرجل، إذ تقوم مقامه في حالة سفره وغيابه، فهي تفعل ما يفعله كما لو كان حاضرا ويعاب عليها التقصير في معاملة الضيوف وإكرامهم. ويفتخر الرجل الصحراوي إذا أحسنت زوجته ذلك وسدّت مسدَّه في غيبته، ويعبّرون عن ذلك بقولهم الشعبي: «لَمْرَ آلْمَ تَعْرَظْ، مَ تَفْرَظْ»، و»دْبَشْ لْمَعْلُومَ مَا يْطِيحْ»، وهو قول سائر يتمثل في كرم المرأة وجودها الذي يجلب لها احترام رجال الحي (لَفْرِيكْ) في حضرة وغيبة رجلها. و»لْمَعْلُومَ» كناية للمرأة المعطاءة وذات السلوكيات والعلاقات الحسنة. 
 
لابد من تدبير عقلاني ومنهجي مستقل للغات واللهجات
- اعتمدت الحسَّانية في الدستور الجديد كمكون من مكونات الهوية المغربية، فماذا يمكن أن يقدم ذلك لهذا المكون؟
< أعتقد -وهذا رأيي الشخصي- بأن المسألة اللغوية في كل المجتمعات البشرية بشكل عام لا ينبغي أن تتوقف على الدسترة أو البحث عن الاعتراف الرسمي، بل إن الأمر في غنى عن ذلك على الأقل من الناحية العلمية ويحتاج، خارج أي وصاية أو سلطة فوقية، إلى تدبير عقلاني منهجي مستقل يأخذ بعين الاعتبار فهم بنيات ووظائف هذه اللغات أو اللهجات ومدى اشتغالها وقدرتها على التأثير داخل المجتمع كخطاب وكأداة للحوار والتواصل والإنتاج. والحسَّانية لا تشذ عن هذا الرأي والموقف، فهي اللهجة الرسمية التي يتحدَّث بها بنو حسَّان، الذين يرتفع نسبهم إلى جعفر بن أبي طالب. إنها لهجة بني حسَّان، وهذا سبب تسميتها بالحسَّانية. كما تُعتبر الحسَّانية أقرب لهجات المغرب العربي إلى الفصحى، وتُعرف عند متكلميها بـ»كْلاَمْ لْبِيظَانْ» لتميزها عن اللهجات الإفريقية. ولغوياً تنتمي الحسَّانية إلى فصيلة اللهجات العربية البدوية التي تختلف عن اللهجات الحضرية، إذ يوجد فرق بين هذين النوعين، لاسيما على المستوى التركيبي والمعجمي.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

صوت وصورة