النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | ملف الصحراء | قضية الصحراء وجامعة الجزائر .. الأكاديمي يتبنى "عقيدة العسكر"

قضية الصحراء وجامعة الجزائر .. الأكاديمي يتبنى "عقيدة العسكر"

قضية الصحراء وجامعة الجزائر .. الأكاديمي يتبنى "عقيدة العسكر"

أبانت الخرجة الأخيرة لوزير خارجية الجزائر التي لا تراعي الأعراف والتقاليد الدبلوماسية عندما اتهم المغرب "بتبييض أموال المخدرات"، أن الشعب الجزائري يرفض مثل هذه الخرجات غير المسؤولة، وليس متفقا مع السياسات العدائية التي ما فتئت القيادات المتعاقبة تنهجها ضد المغرب.

لكن من زاوية أخرى، وإعمالا للموضوعية والعقلانية في التحليل والرصد، وبالرجوع إلى التصريحات والخرجات العفوية لبعض أفراد الشعب الجزائري عندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية، يتضح جليا أن الدعاية الإعلامية العسكرية طيلة العقود الماضية تمكنت من زرع وتثبيت بعض المعطيات والأفكار الخاطئة بخصوص النزاع حول الصحراء؛ بحيث أصبح هذا الشعب ضحية تصورات وأفكار جاهزة لا تمت للواقع بصلة.

ولم يتوقف هذا التضليل الإعلامي الذي كان موجها نحو الشعب، وكانت غايته خلق ثقافة عدائية تجاه المغرب، بل وصل الأمر إلى درجة إقحام الجامعة الجزائرية في الصراع مع المملكة من خلال التشجيع على بحوث وأطروحات جامعية تحاول أن تأصل نظريا وعلميا للعقيدة السياسية والعسكرية العدائية للمغرب التي بلورها بومدين وجنرالات الحرب الباردة.

للأسف الشديد، عندما يطلع الباحث أو المهتم بهذا الجانب على الأطروحات التي أنتجتها الجامعة الجزائرية حول قضية الصحراء طوال العقود الماضية، يجد أنها مليئة بالمغالطات وتفتقر في مجملها إلى الموضوعية ولا تحترم أبسط قواعد ومناهج البحث الأكاديمي، ما يفرغ هذه الأبحاث والأطروحات من محتواها العلمي الرصين ويجعلها في خانة الكتابات الدعائية التحريضية الانفعالية، وهي بعيدة كل البعد عن العلم والبحث العلمي.

ولتأكيد هذا الطرح، وفي إطار رصد بعض الحالات والنماذج التي تعتبر نتاج الجامعة الجزائرية، يمكن الاستعانة ببعض المقتطفات من أطروحة أنجزت سنة 2007 في جامعة الجزائر، كلية العلوم السياسية والإعلام قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عنوانها "نزاع الصحراء الغربية والشرعية الدولية: حقوق الإنسان وحق الشعوب المستعمرة في تقرير المصير"، أطروحة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه دولة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وهي تتكون من 298 صفحة.

في الفقرة الأولى من المقدمة يقول الباحث الجزائري ما يلي: "الصحراء الغربية التي كانت تحت إدارة الاستعمار الاسباني من سنة 1884 إلى سنة 1975، بدلا من أن تنال استقلالها فقد تم تقسيمها بين المملكة المغربية والجمهورية الموريتانية، بعد الانسحاب المفاجئ سنة 1975، نتيجة لذلك مازال شعب الصحراء الغربية لحد الآن تحت قيادة جبهة البوليساريو يكافح بكل الطرق والوسائل المشروعة من أجل تجسيد مبدأ تقرير المصير الذي مارسته مختلف الشعوب التي كانت تحت الاستعمار".

وفي الصفحة الرابعة، وبالتحديد في الفقرة الثانية، يقول هذا الباحث: "نظرا لعدم وجود دعم عسكري دولي لجبهة البوليساريو، عكس الحركات التحررية الأخرى مثل أنغولا، نامبيا، أريتريا، فيتنام، فإنه من الصعب على البوليساريو أن تدافع عن قضيتها بالدخول في حرب تحررية".

وإذا ما اكتفينا بالفقرتين السابقتين، لأنه لا يكفي مقال واحد للتعقيب على هذه الأطروحة المليئة بالأخطاء والمغالطات التاريخية والجغرافية والسياسية، ودون الخوض في طبيعة المراجع التي اعتمدها الباحث، والتي في مجملها غير محايدة ومنحازة ولا تكتسي الصبغة العلمية لأن أصاحبها تارة معنيون بالنزاع أو لأن الحقبة التي كتبت فيها تلك ترجع إلى سياق وظروف مغايرة تعود بالأساس إلى الحرب الباردة، في إطار التعليق على تلك الفقرتين، يمكن تسجيل مجموعة من الملاحظات التي يبقى أهمها:

أن الباحث في الفقرة الأولى تحدث عن "الانسحاب المفاجئ" لإسبانيا ولم يشر إلى الأسباب والدوافع التي جعلت إسبانيا تنسحب فجأة، وكأن هذا الباحث يقفز بشكل متعمد على حدث تاريخي كبير غير مسبوق في العالم، وهو المسيرة الخضراء، لأن هذه الأخيرة التي دعا إليها الراحل الحسن الثاني وتم تنظيمها في 6 نونبر 1975، وشارك فيها ما يقارب 350 ألف مغربية ومغربي حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، هي التي أرغمت الاسبان على الانسحاب؛ إذ بواسطتها ضغط المغرب على الجارة الايبيرية مما ساهم بشكل أساسي في توقيع الاتفاقية الثلاثية في 14 نونبر 1975 في مدريد بين المغرب واسبانيا وموريتانيا، والتي أقرت فيها الحكومة الاسبانية بعدم شرعية تواجدها في الصحراء، وأعلنت بموجبها أنه سيتم جلاء جنودها وإنهاء تواجدها في 28 فبراير 1975 حسب المادة الثانية من اتفاقية مدريد.

أما النقطة الأخرى، فهي تخص الفقرة الثانية المشار إليها أعلاه؛ بحيث تحدث فيها الباحث عن أنغولا ونامبيا واريتريا وفيتنام، في إشارة منه إلى الحركات التحررية التي حملت السلاح في وجه المستعمر، وهذا الربط فيه تعسف كبير، لأن المقارنة بين تلك النماذج والنزاع حول الصحراء تختلف تماما من حيث السياقات والظروف المؤطرة لكل حالة.

فهذه الشعوب كانت دولا قائمة قبل دخول الاستعمار، عكس ذلك، فالمغرب كان جنوبه محتلا من طرف الأسبان وناضل من أجل أن يحرر الصحراء من إسبانيا، كما أن سياق ظهور البوليساريو جاء في فترة الاستعمار الاسباني للجنوب المغربي؛ حيث إن مجموعة من الطلبة الصحراويين المغاربة الذين كانوا يتابعون دراستهم في الرباط بكلية الحقوق كانت لهم طموحات للمساهمة في تحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني، وقاموا باتصالات مع بعض قادة الحركة الوطنية المغربية آنذاك في الستينات من أجل مساعدتهم ومدهم بالسلاح والعتاد لاستكمال مهمة جيش التحرير التي أجهضت في الجنوب نتيجة المفاوضات المغربية الفرنسية بعد اكس ليبان، غير أن مطالبهم باءت بالفشل.

كما أنه لا يمكن إنكار أن مطالب هؤلاء الشباب الجامعيين المغاربة المنحدرين من أصل صحراوي، كانت في بداية السبعينات مطالب مشروعة تهم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، غير أنها كانت مطالب ذات طابع داخلي مغربي صرف، والمشكل أن هذه المطالب برزت في فترة عصيبة من تاريخ المغرب؛ بحيث كانت الدولة خاضعة بقوة لضغوطات خارجية وداخلية أثرت عليها سلبا في التعاطي مع هؤلاء الطلبة المغاربة، ويمكن استحضار مظاهرة طانطان وسوء إدارتها والتعامل معها. وبالتالي، فالبوليساريو كانت حركة تحرر مغربية خالصة في بداية تأسيسها ولم تكن انفصالية بتاتا إلا بعد دخول الجزائر على الخط واستغلالها لبعض الأخطاء التي وقعت على الجنوب المغربي.

وختاما، إن إقحام الجامعة الجزائرية في النزاع حول الصحراء، وتبني الباحثين والأكاديميين الجزائريين العقيدة السياسية والعسكرية العدائية تجاه المغرب، وتصريفها في تناول مسألة الصحراء المغربية، يعتبر معضلة أساسية وإشكالية حقيقية؛ بحيث إنها ساهمت وستساهم عن قصد وعن غير قصد في خلق "وعي جماعي" لدى الباحثين يتماهى مع طروحات العسكر ومن يدور في فلكهم.

فأثناء الاطلاع على الإنتاج الأكاديمي والتراكم الحاصل في معالجة قضية الصحراء، يمكن استشراف نتيجة أساسية هي أن النخب الجزائرية ستبقى حبيسة مجموعة من التصورات والأفكار والمعطيات الخاطئة، هذه الأفكار ستساهم دون شك بشكل مباشر في جعل البعض يتخندق ويعادي مصالح المغرب المشروعة. لذلك، على المغرب أن يتعاطى مع هذه الإشكالية وفق مقاربة جديدة ترتكز على محاولة فتح قنوات للتواصل إعلاميا وبحثيا بغية إيصال الحقائق الموضوعية والتاريخية المرتبطة بالنزاع حول الصحراء.

* أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك