النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | ثقافة وفنون | رحلة ميشيل فيوشانج إلى السمارة

رحلة ميشيل فيوشانج إلى السمارة

رحلة ميشيل فيوشانج إلى السمارة

ميشيل فيوشانج هو ذلك المستكشف القادم من مدينة «نيفير» الفرنسية  سنة 1930م ـ والمزداد بتاريخ 26غشت سنة  1904م ـ متجها نحو مدينة «الصويرة» من أجل تحقيق حلم لطالما راوده؛ ألا وهو زيارة مدينة «السمارة» المغربية، المدينة الممنوعةآنذاك، والتي طالما سمع عنها الشيء الكثير،  وكان على دراية تامة بما يلف هذا السفر من مخاطرـ إلا أنه كان مصرا لأخذ هذه التجربة الفريدة من نوعها ـ، وبعد وصول ميشيل فيوشانج إلى «الصويرة» التقى بالقائد حدو (أنظر الصورة رقم 1) الذي قرر مساعدته، وتمت جميع الإجراءات لهذا السفر، كما بذل كل من ميشيل فيوشانج والقائد حدو مجهودات جبارة للوصول إلى حل مناسب، وكان الحل الوحيد هو التنكر في زي امرأة، رفقة رجلين وامرأتين لإعطاء صورة أقرب إلى أن هذه المجموعة تشكل عائلتين، فتكلف أحمد المهبول المرافق له بباقي التفاصيل.

الصورة رقم 1 للأخوين ميشيل وجون فيوشانج يتوسطهما القائد حدو

 وفي 11من شهر شتنبر 1930م انطلقت العائلة الصغيرة المكونة من ميشيل فيوشانج والمهبول والشيباني وفاطمة أوتنان وعلي وبوس في اتجاه الجنوب، من «وادي ماسة»1، وبعد يومين من المشي وصلت المجموعة إلى «تزنيت»، ومن هناك استأنفوا السفر نحو «الأخصاص»2 ـ إحدى مناطق نفوذ القائد المدني آنذاك المعروف ببطشه وجبروته وعدائه  للفرنسيين ـ.

وكتب ميشيل فيوشانج في مذكرته قائلا: «أشعر بهيأتي، عيناي مفعمتان بالرغبة بالرضى، بغتة تقترب الأشياء، مغامراتها هنا حاضرة، إنها قابلة للتنفيذ، تصير أكثر إغراءا، ألمح محياها، حدودها الفاصلة، ألمح الشكل الذي ستنتهي إليه، غموض لعبتها تتضح، كل أجزائها المتفككة التي أرهقت فكري تتجمع، تصير مجسدة، العبث يسقط عنها ويتبدد ثم يتلاشى»3.

وبعد ثلاثة أيام من المشي وصل ميشيل فيوشانج ورفقاؤه لـ«الأخصاص» التي سيقضون فيها ليلة كاملة، من أجل أخذ قسط من  الراحة  ومواصلة السير في اليوم الموالي، واستطاع ميشيل فيوشانج وقافلته أن يعبروا هذه المنطقة دون أن يشعر بهم أحد.

وكتب ميشيل في مذكرته: «منذ البداية شعرت بعياء شديد، توقفنا بعيدا عن «الأخصاص»، لا أعرف شيئا عن هذه البلدة، تلوح لي بنايات تقليدية قديمة، سوف أحاول التقاط صورة، بملابس جديدة أمشي بقدماي حافيتان، تجر خطاها على أرض رطبة، قدماي المتعبتان لكم تؤلماني، أين أضعكما كي أتخلص من آلامكما، قليل من الراحة والهدوء فلا تزال الكثير من المخاطر تنتظر»4...

وبعد مرور  أسبوع على سفر ميشيل فيوشانج عبر طريق جبلية، بمنحدراتها الصخرية، وشمسها الملتهبة ، كان أثر العياء الشديد يبدو عليه، وقد أصيبت قدماه بتقرحات جد مؤلمة، ورغم ذلك ميشيل مازال عازما على إتمام السفر، فغادر «تكانت»5 متجها نحو بلدة «فاصك»6.

«ها أنا ذا أمشي متفاعلا وسط عالم كل شيء فيه ينم عن طهر، وبراءة خالصة، ها أنا ذا الجاهل طوال هذه السنوات المخنثة، مصاب بالفوران وبالقلق، أقتحم مغامرا كل الدهاليز، مشتعلا أخطو نحوك، راكبا غمار هذا السباق أبحث عن الهدف المنشود، أقاتل الزمن الحديث والغابر، لأمنحك لحظة آنية حديثة ومطلقة»7..

وفي  20 من شهر شتنبر سنة 1930م يدخل فيوشانج قرية «تكليت»8، متخفيا على الساعة التاسعة ليلا، وقد استطاع الشيباني الذي كان شيخا لـ«تكليت» قبل 15سنة أن يضمن الحماية لميشيل فيوشانج ورفقائه، ورافق الجميع إلى منزله الذي لا يزال متواجدا بـ«تكليت».

يقول فيوشانج في مذكراته: «ضللت في هذه الغرفة أعالج جرح قدمي الذي ازداد اتساعا، وضمدته بصباغة اليود الصافية، لازمني حر الآلام لمدة ساعتين، ولكنني أظن أن الجرح سيندمل نهائيا، سأكون آسفا للذهاب إلى «السمارة»، ماشيا على قدماي، أنتظر بكثير من الشوق عودة الشيخ كي أتأكد أننا سوف نذهب راكبين على الجمال... هذه الليلة مؤرقة، كنت ساهرا طوال الليل قبل أن أنام، كنت كثير التفكير في «السمارة»، وشيئا فشيئا يزداد يقيني في الوصول إلى غايتي المنشودة، أشعر أنني مستعد لبدل ما في وسعي، أن أظل ماشيا لمدة 7أو 10أيام دون توقف لو تطلب مني الأمر ذلك»9.

الصورة رقم 2 لميشيل فوشانج بتكليت

في تلك الآونة كان شخص من سكان «تكليت» قد تفطن إلى وجود غريب بالقرية، من خلال رؤيته عبر ثقب صغير كان موجودا بالغرفة، فقام بإخبار أهل القرية، مما جعل المهبول والشيباني يفكران في خطة جديدة ألا وهي نقل ميشيل فيوشانج إلى مكان آخر آمن، وكان ذلك في منتصف الليل مخافة أن يراه أحد، وأخيرا استقر بغرفة ضيقة بمنزل كبير الذي وصفه ميشيل فيوشانج بدقة متناهية في أحد مذكراته والذي قضى فيه حوالي 13يوما قبل أن يغادرها لـ«السمارة»،  وكانت لحظة جد عصيبة بالنسبة له.

كتب فيوشانج: «اللحظات التي أقضيها هنا، ليست مبهجة، المشاكل بدأت تتفاقم إلى غاية  لحظة خروجي من «تكليت»،  كل هذا الانتظار الطويل، يرهق أعصابي لدرجة قصوى، لحظات حرجة اصطكت فيها أسناني، كنت أخالني معلقا في السقف، ورأسي ممد إلى الأسفل»10..

 كان ميشيل فيوشانج مضطرا إلى البقاء في «تكليت» 13يوما في انتظار عودة العربي أخ المهبول، حيث أرسله ميشيل إلى «أكادير» للالتقاء بأخيه جون وإحضار مبلغ من المال سيتم تسليمها إلى الشيخ علي أومولود، لكي يتصرف في تنظيم برنامج المرحلة الثانية من السفر، ثم انتظار إيجاد أشخاص مناسبين الذين سيختارهم علي أومولود شيخ «تكليت» لمرافقة ميشيل فيوشانج في إتمام سفره إلى «السمارة»، في هذه الأثناء كان ميشيل حبيس غرفة مظلمة ضيقة، وكان سقف الغرفة منحدر جدا بحيث لا يسمح حتى بالوقوف، مما أجبر ميشيل فيوشانج على التمدد طوال الوقت، و لا يخرج منها إلا للضرورة مخافة أن يراه أحدهم، واكتفى بكتابة مذكراته في انتظار تنظيم المرحلة الثانية من السفر .

وبعد رجوع بوجمعة حاملا معه المال وإيجاد أشخاص مناسبين لمرافقة ميشيل في هذه الرحلة، أول شيء سيقومون به هو شراء جملين لتسهيل الرحلة وربح مزيد من الوقت، واستبدال زي ميشيل المتمثل بزي امرأة بلباس أهل الصحراء.

وفي يوم السبت الرابع من شهر أكتوبر لسنة 1930م  غادر فيوشانج قرية «تكليت» متجها صوب الجنوب، وأصبحت القافلة الجديدة تتكون من فيوشانج وأحمد المهبول والشيخين المرافقين.

يقول فيوشانج: «منذ الثالثة صباحا ونحن نمشي، مجتازين التلال والهضاب المكتنفة لسهول الوادي، ها أنا ذا الآن قد وصلت للضفة الأخرى لـ«وادي درعة»11، أضل أمشي وأمشي، كنت أعاني كل انطلاقة تلزمني امتطاء الجمل، نتتبع بكثير من الحرص جميع الاتجاهات، نظرات مشخصة مفعمة بالانبهار، أما عظمة هذا الجبل الشامخ، ربما أكون أول أوروبي يحظى بمشاهدتها عن قرب، ها أنا ذا الآن أمتطي جملا يخطو خطوات في دلال، ويمنحني الكثير من المتعة، متأرجحا بين خطوة وأخرى.

أنا الآن فوق «جبل واركزيز»12، أينما التفتت أشعر أنني على متن الطائرة، أشاهد برحابة هذا الفضاء الممتد، أرى بوضوح المسافة التي قطعناها، السلاسل الجبلية المتقابلة، أشعر بالبهجة، الوجه الحقيقي لـ«واركزيز»، هذا الجبل المترامي الأطراف، شرقا وغربا لا يقود إلى قممه سوى ممران، منظر رائع كل شيء يبدوا من «واركزيز» كصفحات مفتوحة، كل شيء واضح الجبال الغربية منصبة هناك، يا له من ضياء يكشف عن كل البقاع المترامية على مد البصر»13..

الصورة رقم 3 لميشيل فيوشانج على ظهر الجمل على مشارف جبل واركزيز

وبعد اجتيازهم «جبل واركزيز» الذي وصفه ميشيل في مذكرته بدقة، صاروا يعانقون فضاء الصحراء الشاسع واللامحدود  لمدة يوم ونصف اليوم،  وفي هذه الأثناء أصابت شوكة حادة  قدم إحدى مرافقي ميشيل فيوشانج، ليمتنع بعد ذلك عن استئناف السير والاستمرار في هذا السفر، مما أدى إلى نشوب جدال بينهما أفضى في النهاية إلى الرجوع إلى «تكليت»، ورجع ميشيل فيوشانج مكرها مصابا بخيبة أمل كبيرة بعدما استحال استئناف السير، وقد كتب ميشيل في مذكرته واصفا شعوره في تلك اللحظة: «كل هذه المجهودات تضيع هدرا، مشاريعنا سوف تتوقف، العودة إلى «تكليت» برهان فشل ذريع، مستحيل أن يحدث هذا، لا مناص أن يمضي قدما من أجل تحقيق السفر الحلم، لكم هو مؤسف وحزين أن لا نتمكن من لمس الحقائق، وجني الثمار التي اشتهيناها، كأطفال صغارا حلمنا بها واثقين ونحن رجال، لتظل في أذهاننا، كحدائق خرافية تزهر في السراب، مستحيل أن يحدث هذا».

ليجد ميشيل فيوشانج نفسه محاصرا من جديد داخل نفس الغرفة بمنزل أفقير لحسن، ليبعث رسالة أخرى إلى أخيه جون من أجل طلب المزيد من المال، وبعد مضي 13يوما أخرى، تمكنوا من وضع خطة جديدة للسفر.

وفي ليلة السبت 25من شهر أكتوبر سنة 1930م غادر ميشيل فيوشانج ومجموعته قرية «تكليت» متجهين نحو مدينة «كلميم» سالكين الاتجاه المعاكس، ليدبروا بعد ذلك إلى الجنوب، كانت هذه خطة شيخ «تكليت» من أجل تضليل عيون القائد المدني.

وكلما توغلوا جنوبا ازدادت المخاطر على حياتهم، لأن القبائل الصحراوية آنذاك لا تعرف أراضيها الهدنة، وكذا خوفهم من قطاع الطرق، بالإضافة إلى الإحساس بالتعب والجوع والعطش، ولا يتوقفون إلا بعض ساعات تكاد تكفيهم للاستراحة.

 يقول ميشيل فوشانج: «أضل منشغلا بوجود رجال يتربصون خلفنا، لا وجود لأية خيمة، وبين الفينة والأخرى تظهر لنا علامات لشعلة خافتة، وهذا دليل حاسم على أنهم لا يشكلون قافلة تجارية، بل هم مقاتلون أشرار لا يعترفون بأية سلطة قانونية، فقط هم يترقبون آثار قافلة من القوافل أو ظهور ضحية لينقضوا عليها، آنذاك لم يبقى بوسعي الاختيار».

وخلال الساعة الثامنة والنصف بدأت نخلة يتيمة عن شمالنا، ثم رأيت هناك على قدم الجبل بعض الديار المنهارة، سألت عن الموقع فأجابني الشيباني بأنه «المسيد»14، واحة لـ«قبيلة الركيبات»»15...

وأخيرا وصلت قافلة فيوشانج إلى بر الأمان، إنها مدينة «طرفاية» أو ما يعرف آنذاك بـ«كاب جوبي»، التي كانت في تلك الحقبة  تحت النفوذ الإسباني، والتي يعرف عنها ميشيل فيوشانج الشيء الكثير، لكونه اطلع على العديد من المؤلفات التي تتحدث عن المغرب، وخاصة منها الجنوب المغربي، وهكذا نجت قافلة فيوشانج بأعجوبة من جميع المخاطر التي كانت تعج بها المناطق الجنوبية أيام السيبة.

الصورة رقم 4 لميشيل فيوشانج متنكرا لباس صحراوي

كما أورد ميشيل فيوشانج في مذكرته أسماء العديد من الحيوانات التي كانت آنذاك متواجدة في فيافي الصحراء، كالغزال، والضباع، والأرانب البرية16.

وفي 30من شهر أكتوبر 1930م  دخل ميشيل فيوشانج و قافلته إلى «الكاعة» والخطر يتربص بها، وقد اختار الشيخين المرور بـ«كاعة الشبابين» من أجل تضليل عيون المتربصين، وقد فكرا في خطة وضع ميشيل فيوشانج داخل بردعة جمل، من أجل حمايته.

يقول ميشيل فوشانج: «خلال منتصف النهار أكون في بردعة من الدوم، وبسرعة تم ربط الأحزمة، أشعر أن الأمر لن يكون مسليا، برنص من الصوف ألقي حول رأسي ليحميني من الشمس الحارة لكنه يخنق أنفاسي، كنت داخل البردعة منطويا كالجنين، هذه القشرة أعجزتني عن القيام بأية حركة، اليدان والقدمان ملتفتان ومتزاحمتان، يزداد توتري كلما شعرت برغبة في تحريك هذه الأجزاء المعطلة تماما كما لو أنها ماتت، أحس بعدم قدرتي على الحركة، ويلزمني البقاء على هذه الحركة المشلولة، في البداية تحملت ذلك بصبر ثم صارت كل حركة تصدر من الجمل أثناء مشيه، تسبب إزعاجي وتزيد من حدة آلامي»17...

الصورة رقم 5 لميشيل فيوشانج مختبئا داخل بردعة جمل

ومع اقتراب قافلة فيوشانج إلى «السمارة»،  ضل القلق ينتاب جميع أفراد القافلة، وخوفهم من رجال من «قبيلة الركيبات» أو المريدين من التلاميذ يزداد كلما تقدموا إلى الأمام.

وفي الفاتح من شهر نونبر سنة 1930م، وفجأة ظهرت مدينة «السمارة» بارزة المعالم  في أعين المرافقين، وفك سراح  ميشيل فيوشانج من داخل البردعة، وسارع ليلتقي «السمارة» حلمه الذي طالما سعى لتحقيقه، وكان أول ما فتحت عليه عينيه هي  «زاوية الشيخ ماء العينين»، و بدأت ملامح وجه المدينة ترتسم في الأفق، كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار يوم دخوله إلى «السمارة».

وبعد سفره الشاق والمتعب، تمكن ميشيل فيوشانج من الوصول إلى «السمارة»، كانت أمنيته هي أن يكون أول أوروبي يصل إلى هذه المدينة المحظورة، في حين تقول بعض المصادر أن هذا غير صحيح، لأن عسكريا أوروبيا قد دخل «السمارة» سنة 1913م18.

كتب ميشيل فيوشانج قائلا: «لا أكاد أصدق كلما فكرت بين لحظة وأخرى، سأجدني وجها لوجه أمام «السمارة»، هناك من بعيد برزت المدينة بكاملها، القصبتان أولا، ثم المسجد، فالمنازل نصف المهدمة، لا وجود لأي سور حول المدينة، وحدها الصحراء تحيط بها من جانب، بدأت أبحث عن كيفية أدخل بها إلى القصبة الكبيرة، ذات الشكل التصميمي المربع، ظللت أطوف حول الجدران المحافظة على تماسك حجارتها السوداء التي تم جمعها في الصحراء، لكم رغبت في الدخول لولا أن الوقت ضيق، أعلم أن الشيخين بين الفينة والأخرى سيرغبان في المغادرة، وجدت ثقبا على واجهة الحائط يطل على داخل القصبة، استعنت بظهر المهبول والتقطت صورتين، ثم ابتعدت عازما أن أعود متى توفر لدي الوقت19...

الصورة رقم 6 لزاوية الشيخ ماء العينين وبنايات أخرى تبدو في الصورة

الصورة رقم 7 لباب من أبواب زاوية الشيخ ماء العينين

لم يستطع ميشيل فيوشانج الدخول إلى قصبة الشيخ ماء العينين، لتواجد أبواب عالية ومحكمة الإغلاق، واكتفى بالتقاط بعض الصور عبر ثقب للقصبة من الداخل، وقد كتب في مذكرته موصفا جمال ما رأى ما يلي: «بدا المسجد بصومعته الصغيرة، دخلت متبوعا بالمهبول، رأيت الأعمدة العشرة، بينها خمسة منتصبة، والمحراب الذي بدأ طلاؤه الأكثر تفتحا يتفتت، ثم وجدت درجا يقود إلى الصومعة، من أعلى هذه القمة كان الأذان ينطلق ليصل إلى الجهات الأربع من الصحراء، حيث الأرض محفوفة بالخيام»20..

الصورة رقم 8 لأعمدة مسجد الشيخ ماء العينين

وقد باشر ميشيل فيوشانج فور وصوله إلى «السمارة» التقاط بعض الصور تحت ضغط مرافقيه، مما جعله يرسم خريطة بسرعة حيث تظهر فيه زاوية الشيخ ماء العينين والقصبة، وكان يرغب في قضاء مزيد من الوقت بـ«السمارة»، لكن مرافقيه لم يمهلوه إلا 3ساعات فقط مخافة أن يراه أحد وينكشف أمرهم، الشيء الذي جعله يرسم وبسرعة رسما تبيانا مصغرا، حيث تظهر فيه الزاوية بعيدة عن القصبة بـ 300متر.

الصورة رقم 9 تمثل الرسم التبياني للزاوية الذي رسمه ميشيل فيوشانج

كتب فيوشانج: «ثلاث ساعات فقط، تهت فيها على بقايا ركامك، لأطرد بعيدا عنك، طوال هذا الوقت لم أستطع عنك التأمل، لم ينتبني التيه، لم أستمتع بالجلوس فيها ولو للحظة، ضللت أجري مقتفيا حثيث خطى أقدامك، كأنني أقوم بعملية تشريحية، أعد ركائز مسجدك، أقيس المساحات بينها، وأحدد موقع بناياتك، راسما اتجاهها الصحيح، بدأت الآن أدغدغ بخطايا هذا الأديم، كإنسان لا يهمه سوى أن يرى، أحسست بطاقة حرارية تندفع من صدري، أحسست بخفقان قوي ينبعث من أعلى قلبي»21..

أراد ميشيل أن يؤرخ هذه اللحظات الممتعة التي قضاها في «السمارة»، لهذا كتب مخطوط جد موجز، بضع أسطر فقط لكنها تحمل بعدا تاريخيا مهما، وأخفاها بين جدران القصبة، وقد عرّف من خلالها بنفسه وبأخيه جون والدور الذي لعبه كل منهما في إنجاح هذا السفر، وكذا تاريخ دخوله «السمارة»، ليظل هذا المخطوط شاهدا تاريخيا يؤكد دخول ميشيل فيوشانج إلى «السمارة».

الصورة رقم 10 لمخطوط موجز كتبه ميشيل فيوشانج وتركه بين جدران القصبة

يقول باتريك آدم: «من الأشياء التي يجب الالتفات إليها هي أن ميشيل قام بهذا السفر تلبية لرغبته وتحقيقا لحلمه، ولكنه في نفس الوقت يحقق رغبة أخيه أيضا، إنه سفر يجمع رغبة الأخوين معا سيقومان بإنجازه سويا، ميشيل سيأتي إلى «السمارة» فيما سيبقى أخوه جون فيوشانج ينتظره بمدينة «أكادير»، إلا أن تنظيم السفر قد تم بمشاركتهما معا، لذلك حينما فكر ميشيل في ترك رسالة بين ثنايا حيطان «السمارة»، سيبتدئ بكلمات تقول أخي جون فيوشانج وأنا ميشيل فيوشانج وهكذا سيشارك أخاه في جميع مراحل هذه المغامرة بآلامها ورغباتها، إنها فعلا قصة الأخوين».

وهكذا غادر ميشيل فيوشانج «السمارة»  مجبرا وتحت ضغط مرافقيه، واستأنفت القافلة مسيرتها عائدة نحو قرية «تكليت»، وعاد ميشيل مفتخرا بتحقيق هذا الإنجاز التاريخي وكله أمل لملاقاة أخيه جون كي يسرد له تفاصيل سفره.

وقد كان سفر ميشيل فيوشانج شاقا جدا، وقد أصيب بآلام شديدة في أمعائه مما تسبب له في إسهال حاد، نتيجة تناوله لبعض الأطعمة العفنة، وشربه لمياه  المجاري والبرك غير الصالح للشرب، مما أدى به إلى إصابته بالعديد من الأزمات المرضية، ناهيك عن الجروح والتقرحات التي أصابت قدماه نتيجة المشي، لكنه رغم كل هذا، لازال يقاوم ويتحدى المرض طوال طريق العودة، ودخلت القافلة الصغيرة تضاريس «جبل باني» سالكة طريقها إلى قرية «تكليت» حيث دخلوها في السابع من شهر نونبر 1930م، وحل ميشيل بمنزل أوفقير لحسن في نفس الغرفة التي آوته خلال ذهابه إلى مدينة «السمارة».

كتب ميشيل فيوشانج: «عزيزي جون منذ ثلاثة أيام وأنا أتمزق بسب إسهال حاد أصابني، أرجوك أن تقترب دون إثارة الشكوك من «تزنيت» حتى لا يبقى بينك وبينها خمسون كيلومتر، إن قطع مسافة كيلومترين اثنين أصبح أمرا مستعصيا، يتطلب مني بذل مجهود جبار، إلى اللقاء بعد قليل إذا وجدتك هناك»22..

يقول باتريك آدم مهتم بتاريخ ميشل فيوشانج: «سيعودون إلى قرية «تكليت»، وسيمكثون بها عدة أيام، لتصفية بقية الأمور العالقة مع شيخ «تكليت» علي أوملود، الذي رغب في المزيد من المال؛ مما زاد الوضع تأزما، أمام هذه المشاكل سيضغط ميشيل على المهبول لينهي جميع الإجراءات المتعلقة بالمغادرة، كان الحنين يشده إلى المغادرة إلا أن المشاكل سوف تبعثر حسابات ميشيل، فبمجرد تسرب أخبار تواجده بالبلدة اجتمع حوالي عشرة من نفر القبيلة عند الشيخ علي أوملود مهددين بحجز الفرنسي، باعتقادهم أنه جاسوس أتى لتمهيد الدخول الفرنسي، ورغم العراقيل تمكن ميشيل من الخروج من قرية «تكليت» في اليوم 22من شهر شتنبر بفضل مفاوضات أحمد المهبول، الذي وعد علي أوملود بمزيد من المال، حال وصوله إلى مدينة «تزنيت»، فوافق الشيخ مشترطا إبقاء فاطمة أوتنان وبوس رهينتين لديه».

كتب ميشيل فيوشانح: «أشعر بعياء تام وعزائي الوحيد أني أنهيت عملي، وأديت مهمتي بعد قليل من الوقت سأحظى برؤية أهلي من جديد، كم هو جميل أن أعد الأيام التي تفصلني عن هذا اللقاء، يومان في أراضي البارود، ويومان آخران في أراضي القائد المدني، ويوم واحد فقط موزع بين التوقفات، أظن أننا سوف نأتي إلى نهاية هذه المرحلة في ظرف ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا لم تعد تفصلني عن مدينة «تزنيت» 6أو 7أيام»23..

لكن الأمر صار على عكس ما أراد ميشيل فيوشانج، فقدراته الجسمانية صارت تنهار يوما بعد يوم، والآلام تزيد حدة في بطنه، كما أصيب بإسهال حاد عدة مرات، مما تسبب في إنهاك قواه، ولم يعد يقوى على المشي، ومع تأزم حالته الصحية أمر ميشيل المهبول بالتوجه مباشرة إلى مستوصف عسكري فرنسي بـ«تزنيت».

يقول باتريك آدم: «وبعد إصابة ميشيل بالمرض بعثوا إشعارا لأخيه جون وهو لا يزال بـ«أكادير»، لكنه حين قدم ليلا إلى «تزنيت» لم يلتقي أحدا منهم، فرجع إلى «أكادير» فعاد من جديد، كان الشوط الأخير من السفر جد صعب، وأخيرا تم إدخاله إلى مستوصف مدينة «تزنيت»، وقدمت له العلاجات الأولية، حيث تبين أنه مصاب بزحار حاد وخبيث، ولعله زحار أنيبي».

الصورة رقم 11 لميشيل فيوشانج وهو يرقد بمستوصف عسكري بتزنيت

ورغم دخول ميشيل فيوشانج إلى مستوصف عسكري بـ«تزنيت» إلا أن حدة المرض تزداد يوم بعد يوم، لأن الزحار الأنيبي الذي أصيب به ميشيل لم يكن معروفا حينئذ، وانعدام دواء فعال لمثل هذا المرض قد يعرض حياة ميشيل للخطر، وطوال فترة ملازمته للمستوصف، كان يعاني من الهزال المستمر.

ولما قدم أخوه جون فيوشانج للمرة الثانية إلى «تزينت» لم يجد ميشيل فيوشانج، فتقدم لمطلب الاستعلامات التابع للقوات الفرنسية بالمدينة، فأخبر أن أخاه راقد بالمستوصف، ومساء يوم 17من شهر شتنبر التقى الأخوان، رغم مرض ميشيل واستياء حالته الصحية فإنه ظل يسرد لأخيه جون قصته مع «السمارة»، وكل المغامرات التي خاضها أثناء سفره المثير، ومع استفحال حالة ميشيل رأى أخوه أنه لابد من نقل أخيه إلى مستشفى «أكادير» عبر طائرة للبريد الجوي الفرنسي.

يقول باتريك آدم: «حطت الطائرة بـ«أكادير» ووضع ميشيل داخل شاحنة وحملته إلى مستشفى القصبة، كان هذا السفر على متن الشاحنة شاقا ومؤلما، بسبب الهزات وكثرة الارتجاج، ظل ميشيل خلالها يتألم بشدة، مما ضعف إنهاكه نهائيا، بقي 15يوما في «أكادير» كانت حالته متقلبة، كتب جون حينها إلى أهله بأن حالة أخيه قد تحسنت، ثم شرع في تهيئ الأجواء للالتقاء بالصحفيين للحديث عن نجاح الرحلة، لكن بعد يومين من إخبار العائلة مات ميشيل، وقد صرح ميشيل فيوشانح أنه سيان لديه أن يدفن في فرنسا أو في المغرب، وجون هو الذي اتخذ قرار دفنه في المغرب».

الصورة الأخيرة لقبر ميشيل فيوشانج مدينة أكادير

هكذا انتهت قصة ميشيل فيوشانج نهاية مأساوية، وانتهت معها حياته القصيرة الأمد والمليئة بالتحديات والطموح، لقد مات فيوشانج وهو لا يزال شابا عن سن تناهز 26سنة، ثم دفن في القصبة التي توجد بالقرب من «قصبة أكادير أوفلا»24، حتى وقع بإحدى الليالي من سنة1960م زلزال «أكادير» المدمر، لذلك سارع جون فيوشانج إلى القدوم إلى «أكادير» من أجل تحويل جثمان أخيه إلى مقبرة أخرى بنفس المدينة، وهكذا رحل ميشيل فيوشانج إلى دار البقاء و لم يمهله القدر أن يعقد اللقاء الصحفي المنتظر انعقاده، كي يتحدث بتفصيل عن رحلته إلى «السمارة»، وكيف نجا من كل المخاطر والعراقيل التي كانت تلف بهذا السفر المثير، لكن رغم ذلك فقد استطاع ميشيل فيوشانج أن يخلد اسمه في سجل التاريخ، تاركا مذكراته التي كان يدون فيها كل تفاصيل سفره، والتي قام أخوه جون بحفظها بكل أمانة، إلى أن أصدر منها كتابا ومنه اقتبسنا هذه المعلومات الهامة عن حياته، وعن تفاصيل سفره إلى مدينة «السمارة» المغربية، التي قرأ عنها ميشيل فيوشانج الكثير قبل أن يقرر أن يخوض هذه التجربة التي يعرف تمام اليقين أنها تشكل خطرا على حياته على حسب قولته الشهيرة: «إنني محتاج لخطر أختاره بنفسي»، فكان له ما أراد...

إعداد: رشيدة برياط

تحت إشراف: الدكتور جمال بامي


1- وادي ماسة: ينبع من جبال سلسلة الأطلس الصغير ليصب  بالمحيط الأطلسي  بمنطقة  رباط ماسة، وعلى منطقة صبه محمية طبيعية تشتهر بأنواع نادرة من الحيوانات أشهرها طائر أبو منجل الأقرع الشمالي الذي لا يوجد نوع منه إلا بهذه المحمية في العالم.

2- الأخصاص: جماعة حضرية تنتمي لإقليم سيدي إفني.

3Smara, carnets de route de Michel Vieuchange, publiés par Jean Vieuchange

4- نفسه.

5- تكانت: جماعة قروية تابعة لإقليم كلميم.

6- فاصك: جماعة قروية تابعة لإقليم كلميم.

7Smara, carnets de route de Michel Vieuchange, publiés par Jean Vieuchange

8- تكليت: تبعد عن كلميم بحوالي 74 كلم، تحدها السمارة جنوبا، وكلميم شمالا، وأسا شرقا، وطانطان والمحيط الأطلسي غربا.

9Smara, carnets de route de Michel Vieuchange, publiés par Jean Vieuchange

10- نفسه.

11- وادي درعة: هو أطول أنهار المغرب، ينبع من جبال الأطلس الكبير بالمغرب في اتجاه الجنوب الشرقي، حيث يلتقي وادي دادس و نهر إميني، ويقطع الصحراء إلى تاكونيت، ومنها يصب أغلبه في الناحية الغربية في المحيط الأطلسي، و يصب القليل في شمال طانطان، ويجف ذلك الجزء من وادي درعة الواقع بعد تاكونيت أغلب العام.

12-جبل واركزيز: واركزيز نبات شوكي صحراوي، وهو اسم لسلسلة جبال بوادي الذهب. انظر: الأعلام الجغرافية والهوية: الأعلام الأمازيغية الصحراء وموريتانيا، رشيد الحسين، منشورات جمعية أوس للتنمية والعمل الثقافي والاجتماعي، مطبعة دار المناهل (ص34).

13Smara, carnets de route de Michel Vieuchange, publiés par Jean Vieuchange

14- المسيد:تقع واحة على بعد 15 كيلومتر جنوب شرق مدينة العيون، وهي منبع مائي تحيط به أشجار النخيل، وكانت في الماضي محطة استراحة للقوافل التجارية القديمة.

15Smara, carnets de route de Michel Vieuchange, publiés par Jean Vieuchange

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صدى الصحراء

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك